أكرم القصاص يكتب | وكلاء الحرب ومستقبل الحل السياسي ما بعد داعش

0 261

هل يمكن توقع أن تكون الدول الكبرى جادة فيما يتعلق بمواجهة حاسمة للتنظيمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة؟ السؤال يتردد مع علامات عن تحول في الدور الذي تلعبه هذه التنظيمات في السياسة الإقليمية، أن يتراجع دور تنظيمات الحروب بالوكالة لصالح عمليات سياسية، بدأت في العراق مع هزيمة داعش، وأبطأ في سوريا بسبب تعقيد في معادلة القوة والتقاطعات والتدخلات الإقليمية، وفى ليبيا هناك مسار سيأسى يواجه ممانعة من رعادة المرتزقة ووكلاءهم.
ظلت وجهة نظر الدولة المصرية والرئيس عبد الفتاح السيسي واضحة، ومدعومة بالتحرك، وهي أن أي مسار سياسي مشروط بإبعاد التدخلات الخارجية، والميليشيات والمرتزقة. وهو طرح وجد صدى له بعد سنوات وبناء على تغيير في المعادلة الصعبة التي بدت التنظيمات الإرهابية جزءًا منها على مدى سنوات. فقد انتهت سياسات التدخل من الدول الكبرى لإنتاج تنظيمات وإرهاب وفقر، وآلاف اللاجئين يتدفقون على أوروبا، وهو ما أثار قلق أوربي، خاصة مع هجمات إرهابية كل فترة، كشفت أن الإرهاب ليس خطرا شرق أوسطيا فقط، ولكنه يمتد إلى أوروبا والعالم، بجانب مخاوف من تغيير في التركيبة الاجتماعية لصالح التطرف والكراهية بين اليمين الأوربي كرد فعل وتفاعل مع هجمات الإرهاب.
لا يمكن تبرئة الدول الكبرى من المسؤولية عن نشأة داعش ونظرائه، تنظيم القاعدة نشأ نهاية السبعينيات من القرن العشرين بدعم أمريكي ونفطي ضمن محطات الحرب الباردة حيث تم دعم المجاهدين بالمال والسلاح بدعوى مواجهة الغزو السوفيتي، انتهى الغزو وتفكك الاتحاد السوفيتي، وتمت هجمات سبتمبر بتخطيط وتنفيذ الحليف السابق.
حتى تنظيم داعش، فقد تشكل من خوارج القاعدة، كأحد نتائج الغزو الأمريكي للعراق، مستغلًا فراغ ما بعد الغزو، ثم نما وتطور وأعاد بناء واحد من أشد التنظيمات دموية، وبسلاح أرسلته الولايات المتحدة وأوروبا إلى الجيش السوري الحر، الذي اختفى ليفسح المجال لهذه التنظيمات، ظهر داعش في العراق وسوريا، وفى ليبيا تدخل حلف شمال الأطلنطي لإسقاط النظام، وغادر تاركا ليبيا نهبًا للعصابات المسلحة مع كميات ضخمة من السلاح.
مع قيام داعش راهنت بعض الأجهزة على دور يمكن أن تلعبه هذه التنظيمات في عملية “تفكيك وتركيب”، بمشاركة دول إقليمية تسعى لانتزاع نفوذ من بين أنقاض فوضى التغيير، ودعمت كل دولة وكل جهاز ميليشيا لحسابها وهو ما أنتج ميليشيات.
لم تكن الحروب بالوكالة بعيدة عن حسابات دول وأجهزة متعددة، حتى لو كانت بعض هذه الدول انخرطت في مواجهة داعش، بعد ان كانت طرفا في لعبة إنتاج وتشغيل وكلاء الحرب، وسط تشابكات تكشف عن عملية إدارة الحروب بالوكالة، وهي الصيغة التي بدأت الدول الكبرى تغييرها وسط حديث عن دعم المسار السياسي في ليبيا. وهو مسار يتعارض مع مصالح الدول الراعية للتنظيمات والمرتزقة والميليشيات، وشعر رعاة الإرهاب أنهم فقدوا نقاطا في مؤتمر برلين مع الحديث عن حل سيأسى في ليبيا، واليوم مع مؤتمر باريس تقترب ليبيا خطوة أخرى نحو المسار السياسي، فتدفع بوكلائها للتشويش على الحل السياسي.
تحركات الدولة المصرية ساهمت في تغيير هذه المعادلة، لم تنشغل بمواجهة الإرهاب المحلى فقط، لكنها سعت لانتزاع قدراته وتعرية غطاءه السياسي والاستخباري، مع الحفاظ على اتصال بكل القوى السياسية في ليبيا، والنتيجة أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي، في كلمته أمام مؤتمر باريس من أجل ليبيا بالقول: “إن استعادة الاستقرار الدائم، وتحقيق السلم الاجتماعي، والحفاظ على الهوية والنسيج الوطني في ليبيا، له متطلبات لا يمكن تجاوزها، تتمثل في إتمام المصالحة الوطنية الشاملة ، وإيلاء الاهتمام للتوزيع العادل للثروات لتحقيق التنمية الشاملة في سائر أقاليم ليبيا دون استثناء، وصولاً إلى دفع عجلة الاقتصاد وضمان الاستفادة المثلي من موارد ليبيا تلبيةً لآمال أبناء شعبها. وهي صيغة لم يكن تصورها من دون تحولات على الأرض، وصلت ذروتها في خطوط القاهرة الحمراء.
هناك مسار سياسي، يقترب، وفى حال تمت الانتخابات في ليبيا، يبدأ طريق الاستقرار، والذي ينتزع المزيد من فرص الإرهاب ووكلاء الحرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.