داود السلمان يكتب | أنا أقُلد بوش الابن

0 156

التقليد أنواع، فمنها: التقليد في الأصوات والتقليد في التمثيل والتقليد في المأكل والمشرب والتقليد في الملبس، وحتى في الدين يوجد تقليد، ولعل هذا الأخير اهمها، أعني التقليد في الدين، وهذا وحده من تنفرد به الشيعة، بل هو خاص بها وحدها.
إذ كلّ فرد متديّن وجب أن يقلّد فقيهًا في القضايا الدينية، ولا تصح أعمال المتدين إذ لم تُقارن بفتاوى الفقيه الديني الذي يرجع اليه الشخص المُقلد، (فعمله باطلاً) كما هو مذكور في “الرسائل العملية” لمراجع الدين الشيعة.
أثنا حكم صدام حسين مُنع هذا النظام كثيراً من الممارسات الدينية، التي يقوم بها اتباع هذا المذهب الديني. منها السير على الأقدام من مختلف محافظات العراقي، في زيارة أربعينية الحسين سبط الرسول المدفون بكربلاء، بقطع عشرات الكيلوات من الأمتار في مسيرة مراثونية، وهو ما أعده النظام يعرقل الحياة العامة، ويقطع ارزاق الناس. وشعارات أُخرى أيضا منعها، معتبرًا إيها ممارسات مغلوطة فشدّد على حظرها بقسوة.
وبحسب القاعدة الفيزيائية القائلة إنّ لكل فعل ردة فعل، فبعد سقوط ذلك النظام بالغ الشيعة بترسيخ تلك الشعارات والحث على ممارساتها لكل الأتباع، وبشكل لافت للنظر، بصعود نجم الفاسدين الإسلامويين وانصاف السياسيين من الذين سنحت لهم الفرصة للأخذ بزمام الأمور في ادارة الدولة العراقية فشغلوا مناصب مرموقة، لم يحلموا بها من قبل أبدا، وأغلبهم كانوا أميون، فحلّ الخراب وعم الفساد على مستوىٍ كبير في الدولة.
الرئيس جورج بوش الأبن كان حازمًا وغير متوانٍ في قراره باجتياح العراق عام 2003، واسقاط نظامه القائم، ذلك على وفق مبررات قد تكون صحيحة أو غير صحيحة، لا يهم هنا في هذا المقال التحقيق من صحتها أو عدمها. وفعلاً تم دخول القوات الامريكية ومن حالفها العراق وإنهار نظامه في ليلة وضحاها.
وبالمقابل، فشكلت أمريكا بإيجاد نظام بديل للنظام السابق كي يدير دولة العراق المترامية الأطراف، الدولة التي لها مزاجها الخاص، وشعب لا يمكن فهمه بسهولة ويسر، وقد عبّر عن مزاج هذا المجتمع العراقي الأديب العربي الكبير الجاحظ بقوله أن النفسية للفرد العراقي، والمزاجية التي يتمتع بها، كل فرد من افراده يصعب هضمها، ويعجز تفسيرها.
وفشل الأمريكان يكمن في أنهم تركوا أمور الشعب على علّاتها، بدفعهم لأكذوبة الديمقراطية دفعة واحدة، وهذه الديمقراطية هُم (العراقيون) كانوا يسمعون بها ولم يجربوها، وهذا من الخطأ بمكان، فالمتعطش الظمآن إذا وجدته هائمًا في صحراء، وهو بين الموت والحياة، وسقيته الماء دفعة واحدة، فحتما سيموت.
باعتقاد كثير من المراقبين ومن المحللين السياسيين أنّ أفشل رئيس حكم الولايات المتحدة الأمريكية أوباما، فهو رجل ضعيف جدًا بالقياس إلى من سبقه كرؤساء لأمريكا. فالرجل لم يكن اهتمامه بالسياسة الخارجية كما كان اهتمامه واضحًا في السياسة الداخلية لبلاده.
فيقال إنّ سياسة الولايات المتحدة الداخلية مختلفة جدًا عن السياسة الخارجية لدول العالم الأخرى، لهذا ترى مواقفها متذبذبة، هنا وهناك، في كثير من القضايا المصيرية الراهنة بشأن تلك الدول، وبما فيها الدول العربية والإسلامية، ومع ذلك فأمريكا متهمة بالوقوف بجانب الكثير من جهات متطرفة بالدعم والحزم، وأما موقفها مع الدول الماردة من التي تدعو الى العنف والتدخل في قضايا الشعوب الأخرى، فمواقف تكاد أن تكون خجولة، واكتفت فقط بإصدار قرارات كعقوبات اقتصادية، والمراقبة من بعيد لما يجري لتلك الدول من ردود افعال مختلفة.
وإذا يصح التقليد في القضايا السياسية كذلك، وهذا مما لا أشك فيه، فأنا أقُلد بوش الابن في سياسته الخارجية؛ فالرجل كان حازمًا عازمًا.
الحزم قبل العزم فأحزم واعزم*وإذا استبان لك صواب فصمم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.