د. قاسم حسين صالح يكتب | الصيام في رمضان.. مفيد أم مضر؟

0 141

هل الصوم مفيد جسميًا وطبيًا ونفسيًا؟ أم أنه مضر في الثلاثة، وبخاصة الدماغ؟ ما ستطلع عليه الآن هو خلاصة مركزة لدراسات علمية وأراء اطباء وعلماء نفس عرب وأجانب. ولأننا في أوائل أيام رمضان فإننا ندعوك لقراءته، سيما وأن شهر رمضان هذا ينفرد لأنه يحل علينا والعالم كله مازال في محنة فيروس كورونا.
تتعدد وجهات النظر في الصوم، ولا يعنينا هنا أمره من منظور الأديان الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والإسلام، التي تختلف اختلافا كبيرًا في طريقة الصوم ومدته. ما يعنينا هنا أكثر هو التحليل السيكولوجي للصوم، نوجزه في القول بوجود موقفين متضادين من الصوم: الأول يتبناه كتّاب وأطباء نفسانيون عرب، يرون إن الصوم يؤدي إلى انخفاض مستوى الجلوكوز في المخ، فينجم عنه اضطراب في عمل الدماغ، واختلال في افرازات الهرمونات وتوقيتات الساعة البيولوجية. لأن جسم الانسان اعتاد على أن ينشط في النهار ويستهلك طاقة، وأن النوم في الليل يعمل على ترميم ما اهترأ في الجسم. ما يعني أن الصوم، وفقًا لهذا الرأي، مُضر بجسم الإنسان لأنه يضطره الى ان يسهر في الليل وينام كثيرا في النهار، وانه يسبب السمنة، وله انعكاسات نفسية سلبية يكفيك منها التوتر العصبي، وتعكر المزاج، والنرفزة، والصداع، والدوخة، الناجمة عن انخفاض نسبة السكر في الدم، والخلل في ايقاع الساعة البيولوجية. فضلًا عن أن الصوم قد يؤدي إلى ضعف الأداء الوظيفي، وانخفاض الانتاجية على مستوى الفرد والمؤسسات الحكومية والأهلية.
الموقف الثاني نبدأه بما قاله الحائز على جائزة نوبل في الطب الدكتور ألكسيس كاريك بكتابه (الإنسان ذلك المجهول) ما نصه: (إن كثرة وجبات الطعام وانتظامها ووفرتها تعطّل وظيفة أدت دورًا عظيما في بقاء الأجناس البشرية، وهي وظيفة التكيف على قلّة الطعام). بمعنى أن الصوم يدرّب جسم الانسان على التكيّف في الأزمات الاقتصادية. ووفقا لما يراه هذا الطبيب فان خلف الشعور بالجوع تحدث ظاهرة اهم هي ان سكر الكبد سيتحرك، وتتحرك معه أيضا الدهون المخزونة تحت الجلد، وبروتينات العضل والغدد، وخلايا الكبد. ليتحقق في النهاية الوصول الى كمال الوسيط الوظيفي للأعضاء. ويخلص إلى القول بأن الصوم ينظّف ويبدّل أنسجتنا ويضمن سلامة القلب.
حديثًا، يرى علماء نفس وأطباء نفسانيون في أميركا وانجلترا وأوروبا، إن بقاء الانسان على نفس الروتين والايقاع في عمل الجسم، يؤدي إلى الكسل والخدر والموت قبل الآوان، فيما التغيير يؤدي الى تنشيط البدن ويمنحه حيوية تطيل العمر. وتوصل آخرون الى نتائج سيكولوجية مدهشة بأن الصوم ينمّي قدرة الانسان على التحكّم في الذات، ويدرّبه على ترك عادات سيئة، ويمنحه الفرصة على اكتساب ضوابط جديدة في السلوك تنعكس ايجابيا على شخصيته هو والمجتمع ايضا.
مثال ذلك: أن الصائم الذي اعتاد على تدخين علبة كاملة في اليوم فأن تدربه على الامتناع عنها في النهار قد يدفع به إلى تركه. وقل الشيء ذاته عن آخر اعتاد على ان يغتاب او يكذب ودرّبه صيامه على الامتناع عنهما شهرًا لا يومًا أو أسبوعًا، معللين ذلك بقانون نفسي هو: إن كثرة التدريب على سلوك جديد يؤدي إلى ثباته. وأن الصوم، بهذا المفهوم، وسيلة علاجية لمن يعانون القلق النفسي والاكتئاب. والاغتراب الاجتماعي، والسياسي أيضًا.
في السياق ذاته تخلص دراسة الدكتور (باري شوارتز) إلى نتيجة أخرى مدهشة، هي أن نفسية الاكتئاب والإحباط ترتبط بالإفراط في الانسياق مع تيار الاستهلاك الذي أصبح ظاهرة بالعصر الحديث وصفها ايريك فروم و هربرت ماركيوز بأنها سلبية خطيرة تنخر في نفسية الإنسان، وأن كبح الشهوات الغريزية والسيطرة على الرغبات عن طريق الصوم يؤدي إلى خفضها. ولك ان تطلع على ما يدهشك في كتب: “الصوم” لهربرت شيلتون، و “الجوع من أجل الصحة” لنيكولايف بيلوي” و”الصوم” لجيسبير بولينغ”. مستندين الى ما أكدته أبحاث أنثربولوجيا الأديان بأن فعل الصوم يكاد يكون سلوكا مشتركا بين جميع الملل الدينية.
المدهش اكثر أن مجلة (سيكولوجست) تؤكد ظهور عشرات المراكز الطبية في دول العالم (الجمعية العالمية للصحة، وجمعية الطبيعة والصحة بكندا، والجمعية الأميركية للصحة الطبيعية، وأخرى في اليابان والهند والصين) اعتمدت الصوم وسيلة علاجية، تسهم في ضبط الشهوات والتحكم بالانفعالات (الغضب مثلًا). وضبط اللسان حين يهم بقضم سمعة فلانه أو فلان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.