رحاب عبد الله تكتب | خنق الإعلام .. خطيئة لن تغتفر

0

عقب كل الثورات التي يشهدها العالم تمر البلاد بمرحلة من الفوضى وعدم الاستقرار قد تدفع بأي نظام إلى تحجيم الإعلام وخفض صوته على اعتبار أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ولكن بمجرد استقرار الأوضاع لابد أن يعود الإعلام من جديد مرآة للدولة وأحد أسلحتها في مواجهة الفساد ومعركة الوعي.
في بلادنا قد أتفهم ما تعرض له الإعلام من تكبيل وخنق في ٢٠١٣ خاصة وأن الدولة كانت على شفا السقوط نحو الهاوية ولم تكن في مقدرتها الحرب على كافة الأصعدة والمستويات في الداخل والخارج، ولكن ومع استقرار الأوضاع بات السؤال المحير إلى أي مدى سيبقى الإعلام ممنوعا من الكلام؟ إلى أي مدى سيظل صوتا للتفاهة وعبدا للتريند الخاوي.
صديقة صحفية من إحدى البلدان العربية تعمل في واحدة من كبرى الصحف في بلادها، كانت تتحدث إلى ذات مرة وساقنا الحوار إلى الحديث عن الصحافة والإعلام في مصر فوجدتها تقول لي: “أنتم إيه إللي حصلكم؟ إحنا في الجرنان بتاعنا قبل ٢٠١١ كان رئيس التحرير بيطلب مننا متابعة الصحف المصرية ويقول لنا ذاكروا إزاي بيعملوا التحقيقات والتقارير والحوارات واتعلموا، إنما دلوقتي ما بقاش عندكم حاجة تتقري”. وقعت كلماتها كالسهام في قلبي وشعرت بالمرارة على بلدي ومهنتي فوجدتني أتلعثم وأنا أبحث عن إجابة تنال ولو قسطا من الإقناع لديها.
إن خنق صوت الصحافة والإعلام في هذا الزمن تحديدًا هو خطيئة لا تغتفر لأننا في زمن بات من الصعب كتم المعلومة أو اخفاؤها فبإمكان أي شخص يريد المعلومة الحصول عليها من أي جهة حتى لو كانت ليست ذات مصداقية أو مجرد صفحة على الفيس بوك أو جريدة لها أجندة خارجية.
إن شباب اليوم لن ينتظروا طويلًا لُتعلن صحف بلادهم عن المعلومة التي يبحثون عنها، بل إنهم وفي لمح البصر حصلوا عليها من صفحات وجهات مشبوهة وهو ما يفسر حجم الشائعات التي يتم إطلاقها يوميا، فلا يمر علينا يوم إلا ويخرج المركز الاعلامي لمجلس الوزراء لينفي سلسلة من الشائعات.
لقد ساهم القائمون على الإعلام في بلادنا في انصراف المواطنين عن الصحف والمواقع المهنية إلى الصفحات والقنوات المشبوهة وباتوا ينشرون انبائها التي تتناثر في لحظة على جميع الصفحات بمواقع التواصل، مما يضطر الحكومة للدفاع يوميا عن نفسها ونفي ما يتردد من شائعات.
في المقابل ولكي يحقق الإعلام من مواقع وصحف وقنوات مشاهدة بات نافذة للاخبار التافهة وعبدا للتريند المقيت، فصار أضحوكة بين الجميع وسلاحا لتدمير العقول وتسطيحها.
إن معركة الدولة القادمة من وجهة نظري لابد وأن تكون معركة وعي وثقافة وأن لم يكن الإعلام وقتها قد استرد مهنته وقيمته فسيقف في صفوف التحديات ضمن هذه المعركة، لابد للدولة من إطلاق حرية الإعلام مع الالتزام بميثاق شرف المهنة، فكما علمونا نشر المعلومة يكون بالوثائق والمستندات مع ضرورة الحصول على رد من الجهة الأخرى.
إطلاق حرية الإعلام لا تعني الفوضى وإنما تعني إطلاق سلاح من أسلحة الدولة لكشف الفساد ورفع صوت المواطن للجهات المسؤلة.
ليس لدي شك في نزاهة دولتنا وبات لدي يقين في أننا ما عدنا نتساهل مع الفساد ولا الفاسدين فاليوم الجميع يحاسب وشاهدنا بأعيينا وزراء ومحافظين وقضاة بل وضباط أيضا يتم القبض عليهم في قضايا كبرى، وبالتالي فالرغبة في تطهير الفساد حقيقية ولها دلائلها، ولكن إلى متى يتم إخفاء نتائج التحقيقات وإلى متى يتم ترك الخيال للمواطن ليسرح إلى تفاصيل قد لا تمت للواقع بصلة.
إن إخفاء نتائج التحقيقات قد يكون ضرورة في بعض الحالات كوجود متهمين غير معروفين بعد أو في قضايا تمس الأمن القومى، ولكن إذا لم تكن القضية تحمل تلك السمات فلما يتم التكتم عليها وهي مصدر فخر لدولة لا تسكت عن الفساد بل وعبرة لكل مسئول يفكر في خيانة أو استغلال وظيفته وضمانة للمواطن تعيد له الثقة في حكومته ودولته.
متى سنشاهد كما كنا في الماضي نص تحقيقات في قضية فساد كبرى، متى سنرى صحفي يقوم بمغامرة صحفية لكشف الفساد في مكان ما، متى سيعود الإعلام صوتاً للمواطن ينشر مشكلاته ويرفع مظلمته، متى سنرى مسئول يحاور صحفي دون تحفظ، متى سنجد المواطن يبحث عن الحقيقة داخل صحف ومواقع وإعلام بلاده فلا تختطفه قنوات معادية لا تريد بنا خيرًا.
إن الإعلام أحد أسلحة الدولة التي أن سقطت كانت تحدي جديد يضاف لتحدياتها، أنه مرآة ترى فيها ما لن تعلمه من المحيطين، أنها صوت المواطن الذي أن لم تسمعه فلن تحمد عواقبه، أنه أداة الوعي الأولى، وأولى خطوات النهوض بالعقل والثقافة، أنه الخطيئة التي أن وقعنا فيها فلن تغتفر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.