سامي عبد الحميد يكتب | فن التمثيل ولغة الجسد

0 305

كانت لغة الجسد، كما اعتقد، هي وسيلة الاتصال الاولى لبني البشر وهي التي مهدت للغة المنطوقة. وكانت ايماءات لغة الجسد قد حدثت للانسان الاول بشكل تلقاني ونتيجة للافعال او ردود الافعال، اما لطلب حاجة او لدرء خطر داهم وبدوافع من غريزة المحاكاة – محاكاة الطبيعة، ونشأ فن التمثيل في اصوله بدوافع من غريزة المحاكاة ايضاً.

كما ان فن التمثيل شاع لدى الامم في انحاء العالم كذلك لغة الجسد اصبحت لغة شمولية يمكن ان يفهمها الانسان من هذه الأمة او من الأمة الاخرى متمثلة بالايماءات والاشارات والرموز والحركات التي تصدر من هذا الانسان او ذاك، فهزة الرأس الى امام تعني القبول او الموافقة بينما هزة الرأس الى الجانبين تعني الرفض او عدم الموافقة وهناك استثناءات لدى بعض الاقوام. اذ يحدث العكس لدى البلغار كما سمعت. والاشارة باصبع السبابة والاصبح الاوسط من اليد على شكل حرف (V) تعني الانتصار وهي مستخدمة لدى جميع الشعوب كان مصدرها رئيس الوزراء البريطاني السابق (وينستون تشرشل) حيث استخدمها بعد انتصار الحلفار على دول المحور في الحرب العالمية الثانية واصبحت مشاعة.

واليوم يشكل الافراد في هذه الامة او تلك باصابعهم شكلاً يشابه شكل القلب للدلالة على الحب، واصبع رفع الكتفين وخفضهما علامة على الجهل بالشيء او عدم المعرفة بامر معين لدى جميع الشعوب.

كان الممثل العبقري (جارلي جابلن) او الممثلون السينمائيون الذين استخدموا لغة الجسد في افلامه الصامتة وذلك لادراكة بان ايماءاته الجسدية ستكون مفهومة دلالياً من قبل جميع المتفرجين في شتى انحاء العالم مهما اختلفت لغاتهم المنطوقة. كان كتاب العالم (جارلس داروين) المعنون (التعبير عن العواطف لدى الانسان والحيوان) والمنشور عام 1872 من اهم المصادر التي تطرقت الى لغة الجسد وتفسيراتها. ويشير (آلن بيز) مؤلف كتاب (لغة الجسد) الى ان معظم الباحثين يتفقون على ان القناة الشفهية تستخدم بصورة رئيسية لنقل المعلومات في حين ان القناة غير الشفهية تستخدم للتفاوض فيما بين الاشخاص وفي بعض الاحيان كبديل للرسائل الشفهية.

من الامثلة على دلالات لغة الجسد ايماءات راحة اليد حيث تدل الراحة المفتوحة على الصدق والامانة والاستقامة والخضوع ولوضع اليد على الفم او على الجبهة دلالة على التفكير، ورفع الابهام دلالة على التأييد، والابتسامة تدل على السرور بينما يدل التقطيب على الحزن. واصبحت مفردات لغة الجسد من عادات وسلوك وعلاقات ابناء الشعوب المختلفة واعتمدت بعضها كوسائل لآداب والسلوك (الاتكيت) وعلى سبيل المثال من المعيب على المرأة ان تفتح ساقيها وهي تجلس في كرسي ومن العيب على الرجل ان يمد ساقيه وقدميه بوجه الشخص المقابل.

في فن التمثيل والعرض المسرحي تتدخل لغة الجسد في عدد من الأطر وكالآتي:

1- الحركات في مسرحيات الفترة او الحركات الطرازية تلك التي تستخدم في مسرحيات من مراحل سابقة للعصر الحديث حيث هناك اساليب خاصة للتحية ولاستخدام القبعات والمراوح اليدوية واستنشاق العطوس واستخدام المناديل ووضعيات الساقين والقدمين عند الوقوف والجلوس ووضعيات الذراعين والتي تدلل على طبيعة الشخصيات الدرامية وعلاقاتها بالشخصيات الاخرى نساءً او رجالاً.

2- الشغل المسرحي والتعبير الدرامي الصامت، وقد وضع (اليكساندر دين) وهو من ابرز المنظرين في الفن المسرحي، خمسة عناصر اساسية للاخراج المسرحي هي: التكوين والتصوير والتفسير والايقاع والحركة والتعبير الدرامي الصامت وقد قصد بالعنصر الاخير تلك الحركات او الايماءات الجسدية غير المصحوبة بالكلمات لتعبر عن افكار ومشاعر معينة تهيئ للمتفرج ان يفهم دلالاتها من السياق وقد تكون نتيجة ردود افعال او نتيجة افعال تعبر عن طبيعة الشخصية والموقف والصفة المحلية واجواء المسرحية. ويدخل مايسمى (الشغل المسرحي) ضمن هذا الاطار وهنا اذكر مثالاً للشغل المسرحي من الفيلم العراقي (المسألة الكبرى) حيث يقوم الممثل الانكليزي (اوليفر ريد) وهو يمثل دور القائد الانكليزي ، بايماءة باصبعيه اللذين يمسكان بعقب سيكارة ويرميها ارضاً امام الممثل العراقي (غازي التكريتي) الذي مثل دور (الشيخ ضاري) وذلك بقصد تهديده ان استمر بتمرده ضد الاحتلال.

3- الرقص الدرامي حيث كثرت في السنوات الاخيرة في العراق العروض المسرحية التي تعتمد على الحركة والتعبير بالجسد ومن قبل مجموعات شبابية يقود هذه او تلك ما يسمى (كوريوغرافر) وهو مصمم الرقصات حيث ان العرض يعتمد على ملامح الرقص التعبيري ورقص الباليه والتمثيل الصامت وربما جاءت تسمية تلك العروض (الرقص الدرامي) او (الدراما الراقصة) او (دراما الجسد) عن سوء فهم او عن قصد التميز او التفرد. وكان المغترب (طلعت السماوي) هو من بذر البذرة الاولى لهذا النوع من العروض المسرحية. ولا ادري ان كان مصمموا رقصات تلك العروض قد درسوا او تعرفوا لغة الجسد ام لا فلا بد من تذكيرهم هنا بتلك الضرورة وضرورة ادخال ايماءات لغة الجسد في صلب عروضهم لتصبح اكثر عمقاً واكثر دلالة ولكي تبتعد عن التكرار.

4- التمثيل الصامت (المايم Mime) وهنا لابد من التفريق بين (المايم) و(التعبير الدرامي الصامت) فالاول له نظامه الخاص وهو فن مستقل لايدخل ضمن العرض المسرحي الناطق وقد قام ببلورة هذا النظام الخاص فنانون امثال (ايثيان دكرو) و(مارسيل مارسو) وفي العراق اول من قدمه (منعم سعيد) و(محسن الشيخ). كما لابد من التفريق بين (المايم) و(البانتومايم) واصل هذا الاخير المسرحية الموسيقية الغنائية الراقصة وهكذا يستخدم في بريطانيا. وكثيراً ما يخلط المسرحيون والدارسون بين المصطلحين. المهم ان (المايم) يعتمد بالدرجة الاولى على لغة الجسد وباسلوب يقوم الممثل بتكييف مفرداتها ليروي قصة لها بدايتها ووسطها ونهايتها سواء كان ذلك بمرافقة موسيقى او بمؤثرات صوتية ام بدونها. واخيراً لابد ان نتساءل هل ان لغة الصم والبكم تدخل ضمن اطار لغة الجسد ام هي لغة اخرى مستقلة تكون مفرداتها بدائل لكلمات اللغة المنطوقة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.