سعيد مضيه يكتب | تفجيرات 11 سبتمبر .. تدشين القرن الأميركي (٢ – ٦)

0 46

في داخل الولايات المتحدة عجلت الهجمات إقرار قانون باتريوت (الوطني) في عام 2001، والذي وسع صلاحيات وكالة الأمن القومي للقيام بمراقبة جماعية للمواطنين وخارج الولايات المتحدة ، شملت حتى قادة دول. سمح باحتجاز المهاجرين إلى أجل غير مسمى، وسمح بالبحث دون أمر قضائي في سجلات الهاتف والبريد الإلكتروني دون أمر من المحكمة. تم سجن آلاف الأشخاص واستجوابهم بموجب السلطة الجديدة التي منحها القانون لوكالات حفظ القانون..
سيمور هيرش صحفي تقصي أميركي، كرس طاقته ومهاراته في الكشف عن كل ما تخفيه السياسات الأميركية في الداخل والخارج. مع الزمن، ونظرا لدأبه على نشر ما يرده من داخل الأجهزة واحتفاظه بأسرار مصادره ، فقد تطوع عدد كبير ممن يشغلون مراكز رفيعة، والساخطين على تجاوزات القوانين، بإرسال المواد الكاشفة كي تنشر ؛ مع الزمن اتسعت دائرة المتعاونين مع هيرش ، في ظروف الكبت ينفسون، في غياب المكاشفة وصراحة النقاش مع المسئول، يسربون المعلومات الى هيرش أو غيره من صحفيي التقصي. الغريب أن هيرش يوجز في مذكراته في ما تعلق بهجمات أيلول؛ لم يشر ولو تلميحا الى مفارقات في تحقيقات اللجنة الرسمية . فقط أشار مرارا الى تحفظه في نشر معلومات أصدقائه عن تشيني مخافة كشفهم وإلحاق الأضرار بهم.
يكتب هيرش في ” مذكرات صحفي استقصائي” الصادر مترجما الى العربية عام 2019: “برز تشيني(نائب الرئيس بوش) كقائد لنخبة الليبراليين الجدد ابتداءً من 11 سبتمبر ، وعمل كافة ما بوسعه لتقويض رقابة الكونغرس على الحكومة. تلقيت المزيد من المعلومات من مصادري الداخلية حول مد سيطرته على البيت الأبيض، ولكن للمرة الثانية ، كانت قدرتي محدودة للكتابة عما أعرفه لخوفي على مصادري…أصبحت على علم بهدف تشيني، وهو السيطرة على أهم عملياته العسكرية والمخابراتية، والحد الى أقصى قدر ممكن كيلا يعرف الكونغرس عنها أو يتدخل فيها. هي المرة الثانية التي يمد فرد سيطرته على البيت الأبيض؛ أقدم كيسنغر في سبعينات القرن الماضي على الاستئثار بالسلطة.
كشف هيرش جرائم الاحتلال الأميركي في سجن أبو غريب: “…إن احتقار الجنود للسجناء والشعور أن باستطاعتهم أن يفعلوا ما يشاءون كان بوحي من القيادة العليا. ذكرْتُ ذلك في مقابلة إذاعية ، وأضفْتُ في تلك اللحظة أن أي شخص يستمع الى هذه المقابلة ويعرف شيئا عما جرى في سجن أبو غريب عليه ان يتصل بي. “يسعدني القول ان تقاريري عن أبو غريب قد غيرت مجرى الحرب واوقفت ممارسة التعذيب. ولكن الحرب لم تتوقف ، كما كان الحال في قصة ماي لاي ، التي لم تضع هي الأخرى نهاية لحرب فييتنام ولا لوحشيتها ..”
ويضيف: “بدات ادرك أن 8أو 9 أشخاص من المحافظين الجدد ، الذين كانوا خارج إدارة بيل كلينتون قد نفذوا انقلابا سهلا وسيطروا على حكومة الولا يات المتحدة (إدارة بوش) بيسر. كان أمرا مذهلا ان أشهد بنفسي كيف أن الدستور بهذا القدر من الهشاشة”.
مباشرة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أصدر تشيني بالتعاون مع بول وولفوويتزعام 1992 بيان القرن الأميركي، أي تفرد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم. وضع المشروع باسم المحافظين الجدد ونواتهم المسيحيون الصهاينة. وفي البيان توعد ب” السحق” ، لكل من يقف بوجه الهيمنة الأميركية على العالم، أو تتوفر لديه إمكانيات قد تغريه بالتصدي للهيمنة الأميركية . في ذات الوقت كلف المحافظون الجدد ريتشارد بيرل إعداد تقرير عن سياسات الليبراليين الجدد في الشرق الأوسط، أرسل الى نتنياهو عام 1996، وكان يخوض حملة انتخابية بالتنافس مع شمعن بيريز ، إثر اغتيال رابين. بناءً على التقرير أعلن نتنياهو في برنامجه الانتخابي ” عدم الانسحاب من الضفة “. وراح يطور المستعمرات اليهودية على اراضي الضفة. عمليا تم دمج الاستيطان الإسرائيلي بالضفة ضمن مشروع الهيمنة الأميركية وفق ما سمي القرن الأميركي. يكتب سيمون هيرش:” … أمضيت العديد من الساعات إثر هجمات 11 سبتمبر وانا أتحدث مع بَيرل ، وهي الأحاديث التي ساعدتني لفهم ما سيحدث في المستقبل القريب. لقد تناقشنا منذ مطلع الثمانينات ؛ لكنه قطع تلك العلاقة عام 1993، لنشري مقالة بمجلة نيويوركر عن حماسه منقطع النظير لإسرائيل وعن سلسلة اجتماعات عقدها مع رجل أعمال عربي للحصول على عقد بمليارات الدولارات في بلد ذلك الرجل. رد بيرل في وقتها بتهديدي بإقامة دعوى ضدي امام المحاكم الأميركية. أطلق علي لقب إرهابي ، وتراجع عن التهديد”.
كُتِبت مقدمات للبيان منها مقدمة رابي دوف زخايم، وفيها عبرعن أمنية حدوث بيرل هاربر جديدة. عدوان ياباني حذرت منه المخابرات الأميركية وتجاهلت التحذير الإدارةُ الأميركيةُ في حينه، حيث تذرعت بالهجوم الذي دمر الأسطول الحربي الأميركي المرابط بالميناء وهلك حوالي ألفي جندي أميركي في الهجوم المباغت. اتخذ الهجوم مسوغا للانضمام الى الحرب في صف الحلفاء. كانت طلبيات الحرب بمثابة الرافعة التي انتشلت اقتصاد الولايات المتحدة من الركود. خرجت الولايات المتحدة من الحرب أقوى دولة اقتصاديا وعسكريا.
عين زخايم قبيل أيلول 2001، وكيل وزارة الدفاع للشئون المالية وفي أثناء تسلمه المسئولية اعلن وزير الدفاع عن ضياع مليار دولار ثم ضاعت تريليونات أخرى. دُمِر جهاز الكمبيوتر الحاوي مالية وزارة الدفاع نتيجة تفجير جرى تمويهه بطائرة زعم انها ضربت مبنى البنتاغون، الأمر الذي لا تقبله التحريات العلمية، نظرا لاستحالة الطيران على ارتفاع امتار. لم يتم التحقيق في الوقائع المذكورة ولم يتطرق إليها التقرير الرسمي.
ساد الاعتقاد لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي بعدم وجود البرهان على دور لبن لادن كما تقتضي الضرورة في المجتمعات المتحضرة. صرح بن لادن بأن قاعدته وراء التفجيرات؛ بصدد اعترافات بن لادن، قال تشومسكي “لكنها ليست اعترافات ولا تعدو كونها تباه، تحوز على المصداقية بقدر ما يحوزه اعتدادي بالفوز في ماراثون( تشومسكي عجوز في التسعينات). التباهي يبين شخصية بن لادن؛ غير أنه لا يقدم شيئا بصدد مسئوليته عما يعتبره الإنجاز العظيم الذي يريد أن يعزوه لنفسه”. استنتاج المخابرات الأميركية بعد التدقيق في الأوراق والكتب التي وجدت بحوزة بن لادن حين تم القبض عليه ، ومنها كتاب البروفيسور الأميركي ستيفن جونز، أن بن لادن تيقن في أيامه الأخيرة، أن التفجيرات عمل داخلي نفذه آخرون .
أضاف تشومسكي: “في الأول من أيار 2010 تمت تصفية بن لادن، وكل الدلائل تشير إلى أن الرئيس اوباما أصدر أمرا بقتله ولم يتطلع أن يراه أسيرا مثل أولئك الذين احتجزهم بوش الابن . وهذا هو الفارق الوحيد بين اوباما وبوش . كان على الدولة الأميركية أن تجري تحقيقا تقنع به العالم بالظروف الحقيقية للقتل” .
الدبلوسية الأميركية لا تسعى لإقناع أي طرف؛ هي تفرض التوجيهات او العقوبات، وحتى العدوان العسكري وقلب الحكومات غير المنصاعة لمشيئتها والحجة جاهزة” الحرب على الإرهاب”.
في مقالة للصحفي اليساري الأميركي ، باول ستريت، نشرت في أيلول 2021 عنوانها “تأملات في 11/9 ” أورد 43 واقعة عدوان وجريمة بحق المدنيين اقترفتها الولايات المتحدة الأميركية منذ استقلالها. تأملات ستريت أوصلته الى ما استخلصه نوعام تشومسكي من أن مهمة الموسسات الإيديولوجية والإعلامية المهيمنة هو “صنع الموافقة” للامبراطورية الأميركية.
لم يقترن اسم بن لادن بجريمة التفجيرات في التحقيق الرسمي؛ افاد عنصر مكتب التحقيقات الجنائية (إف بي آي) لم تثبت التحقيقات مسئولية أسامة بن لأدن.غير أن الرئيس باراك أوباما ، رئيس الولايات المتحدة ، صرح إثر مقتل اسامة بن لادن بأن”العدالة قد تحققت”. هو في الحقيقة ضمن نجاحه في الدورة التالية لانتخابات الرئاسة. وعلى شاكلته يأمل بايدن بتصفية الظواهري، رئيس القاعدة. توجه المحامي البريطاني المشهور جيوفري روبرتسون، الى تشومسكي بسؤال حول ادعاء الرئيس الأميركي، وأجاب انه “السخف الصارخ يصدر عن بروفيسور سابق للقانون الدستوري”. وفي مقال كتبه تشومسكي بهذا الصدد تحت عنوان ” أليس من بديل؟” قال أن ثلث المستطلعين في الولايات المتحدة يعتقدون أن الحكومة الأميركية و/ او إسرائيل يقفون خلف أحداث 11 أيلول 2001؛ بينما نسبة المشككين في العالم الإسلامي أعلى بكثير.
شككت عضو الكونغرس ،سوزان لينداور، في الحال وعلنا في التقرير الرسمي، تحولت إلى ناشطة؛ وجهت لها تهمة “العمل كوكيلة لحكومة أجنبية”، واعتقلت بموجب “القانون الوطني” ؛ سُجنت خلال الفترة 2005- 2009؛ تم إسقاط التهم في وقت لاحق لعدم وجود دليل. وغير لينداور أعلن رفضه للتقرير الرسمي عدد كبير من العلماء والمهندسين وضباط المخابرات ورواد الفضاء الخ ركزوا على دحض البيان لتناقضه مع معطيات العلم وطالبوا بلجنة تحقيق محايدة . وهذا موضوع الحلقة التالية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.