عباس علي العلي يكتب | الأكراد ومشكلة الهوية

0 236

في المرة الوحيدة من المرات القليلة التي يجري حوار حقيقي بين كاتب يعد مغمورا في مجتمع ثقافات السياسة في الشرق الأوسط وباحثة غربية تتمتع بكم واسع من حرية الحركة والفهم وتوجيه السؤال، كان السؤال المركزي في هذا الحوار لماذا عجز مجتمع الشرق الأوسط في تجنب إشكالية الهوية الناتجة عن إشكالية فهم الأخر والقبول بالواقع كونه حقيقة، الحقيقة في بدء الرد أوضحت كمقدمة للمحاورة أن كلتا الإشكاليتان لا تمثلان الشرق الأوسط خصيصا وإن كان مظهرها الآني يشير إلى ذلك، لكنها عموما من الطبع الديموغرافي البشري عبر التاريخ، القضية لا تفرضها الجغرافية ولا هي من محتمات التاريخ بقدر ما هي نتاج طبيعي لحركة الإنسان داخل هذا الكوكب العجيب منذ فجر التاريخ لليوم.

مع التاريخ الاستيطاني البشري على الأرض وبالعودة تحديدا لتاريخ الأديان كما هي الحقيقة ذاتها في الأركولوجيا تقول أن الإنسان هو الكائن الوحيد المتعلق دوما بالرحيل والارتحال، مرة بأسباب طبيعية ومبررات يفرضها الواقع، ومرة رغبة منه أن يبحث ويستكشف عالمه الأخر، الوجه الأخر من العالم الذي لا يعيشه، وبين السببين وبين الرغبتين مظاهر وأسباب وعلات أخرى، فقد ولد الإنسان كما تقول الأدلة الأركولوجية في قلب أفريقيا على ضفاف أنهر وبحيرات وغابات وبيئة توفر ماديات غنيه له ليعيش مكتفيا بالقدر الذي يحفظ له وجوده، لكنه ومع تزايد العدد وتزايد المخاطر والحاجة ليرى بيئة أخرى وتحت ضغط الخروج من دائرة القبول بالواقع أرتحل في خطوة حررته من أستعباد المكان والقبول بشروطه.

أكتشف في محاولات عدة أن عالم ما بعد عالمه ربما يكون أفضل من البقاء هنا، أنتقل هو ومن معه كمجموعة جزئية ليجرب الشعور بالجديد، وترك للأخرين أن يحافظوا على هوية المولد الأول، كان في بعض الحالات يحد من سبقه للمكان وكون هوية خاصة به أو ناقلا هويته الأم أو أنه أبن هوية المكان ذاته لأنه أصيل فيها، هذه الهوية ربما لا تتشابه مع حدود هويته القديمة أو ما يحمل منها أو ما حافظ عليها أو يحاول أن يظهر بها، تحاربا وتقاتلا أولا ثم أتفقا أخيرا على العيش معا أو تقسيم العالم بينهما، هنا نشأت الهوية والهوية الأخرى والهوية المشتركة، لكن هذا التقسيم في الواقع ليس حقيقيا تماما، لأن كلاهما فقد جزء من تلك الهوية أولا بعيشهما معا، وثانيا لأن شروط العيش المشترك تتطلب تفاهم خاص خارج الهوية ليضمنا أنهما لن يدخلا حربا أخرى على الأقل بدون سبب، صار هناك ولادات لهويات مشتركه ربما غير متطابقة ماهويا لكنها فعلا كانت هوية ضامة، القوي يستوعب الضعيف والضيف بالأخر يستسلم للتحولات ويستمر بالعيش واقعيا ومنطقيا تحت مفاهيم الهوية المستحدثة.

إذا القضية تتعلق بطبيعة المجتمع الإنساني التي هي طبيعة الإنسان ذاته ككائن متحرك في خياراته قلق في تصوراته تعتريه نوازع وعوامل موضوعية وذاتية، تؤثر دوما في صياغة الهوية وصياغة الخيارات المتاحة وحتى التي من الصعب أن تكون متاحة نظرا لكونها أما مكلفة أو مؤثرة على مستويات قدرته على التأقلم وربما على البقاء، هذه الطبيعية البشرية لا يمك تخصيصها لا زمانيا ولا مكانيا ولا تنسيبها ونسبتها لشعب دون أخر، فالتاريخ الموثق بأدلته العلمية إلا ما ندر صاغ حقيقية مهمة وهي ” أن البشر لم يولد ليموت في نفس المكان” فقد جاب العالم بحثا عن توافر المحددات التي يرى فيها سر بقاءه ودوام قدرته على البقاء عابرا أحيانا حتى حدود الهوية، فمن الشرق للغرب ومن الغرب للشمال ومن الجنوب للشرق وبكل الأتجاه جال الإنسان في كل مرة يبحث عن تحقيق هدف، المشكلة كانت دوما وجود أكثرية وأقلية سرعان ما تندمجان في قالب واحد ربما ينهي ويقطع الروابط الأولى.
نعود إلى لب السؤال، لماذا لم ينجح المجامع الشرق أوسطي في معالجة إشكالية الأندماج هذه والتي أفرزت لاحقا صراع الهويات، وتحديدا ونحن نتكلم على الإشكالية الكردية كونها واحدة من مشاكل الهوية في الشرق الأوسط، فالأكراد من الأمم التي ظلمتها الجغرافيا كما ظلمها التاريخ لسبب بسيط جدا أنهم لم ينجحوا في محاولة التواصل المجتمعي داخلا وخارجا من خلال عامل غير الهوية القومية، فالعرب مثلا لم يكونوا أمة لها الثقل الوجودي لولا ميزة الدين الإسلامي كما أن الفرس أيضا تمتعوا بالشخصية التاريخية من خلال الفلسفة البرغماتية الاحتوائية التي يواجهون بها محاولات إذابة الهوية حتى لو أضطروا للمهادنة وربما للرضوخ لعوامل التاريخ القهري، الأكراد وبعض المجتمعات التي لم تنجح بالحفاظ على الهوية الميزة إلا بالإصرار على التفرد والتمسك الأعمى للهوية المحلية ورفض هوية الأخر أعتقادا بأن طريق الرفض سيحسب لهم، النتيجة أنها خلقت أجواء توتر دائمة مع الجيران الأخرين ولدت معها سياسة رفض متبادلة.

فلا الأكراد يمتلكون العنصر الأخر غير القومي لوضع الهوية الكردية موضع الواقع الذي يفرض حيزا محميا بعناصر الهوية المتعددة، ولا المجتمعات المحيطة والمجاورة نجحت في إستيعاب الهم الكردي والوجود المختلف لتكوين لغة مشتركة يمكنها العبور بالواقع الديموغرافي والأجتماعي والفكري والحضاري من التفاعل الإيجابي المرن بما يحقق هوية عامة داخلها مفردات خصوصية لكنها تحمي الجميع، من هنا ولعدم الجدية من الطرفين لتحقيق الحد الأدنى من التفاعل ظهرت لغة العداء وممارسة الرفض والشكوك المتبادلة التي لا تحصن الهوية الذاتية بقدر ما تفعل الأنا المتضخمة المجتمعية، فأساس الإشكالية لا تعود فقط للمجتمعات المحيطة بالمجتمع الكردي وحدها بل هي مسئولية مشتركة وأزمة متواصلة متعددة الأطراف ومتعددة المستويات من الأثر والتأثير، المفتاح الحقيقي هنا يبدأ من إرادة العيش المشترك ضمن مجموعة متفاعلة بدون حساسيات التاريخ ولا مشاكل الجغرافية، هذه الرؤية الآن عصية على القبول لكنها ممكنة فعلا إذا أردنا فعلا العبور نحو حل إنساني، يحفظ للجميع حقوقهم ويبقي على صلة العمل المشترك الذي ينطبق مع سنن التاريخ والواقع الطبيعي الذي عاشه الإنسان مترحلا وقاطعا المسافات من أجل تأمين وجود أفضل له.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.