عطا درغام يكتب | مستقبل الثقافة في مصر (1-2)

0 86

يعترف الدكتور طه حسين قرب نهاية كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” بأن الثقافة ليست محصورة في المدارس والمعاهد فقط، لكنها أيضًا خارجها، وتتمثل في مواقع عديدة هناك الأدباء والشعراء الذين يقدمون إنتاجًا أدبيًا إلي الناس يقرأونه، فتزيد معارفهم ويزداد تذوقهم وإحساسهم بالجمال والفكر وهناك مجالات السينما والمسرح والصحافة والراديو وكان حفيًا بفن”التمثيل” ويبدي تخوفه علي فن التمثيل من السينما.
وهو يطالب بالحرية للأدباء وللكتاب في الكتابة والتعبير،ويعترف بأن للحرية شرها أحيانًا ولكن لها خيرها دائما ونفع الحرية أكثر من ضرها علي كل حال.وينتقد بعض القوانين التي تتشدد في مصادرة الأدب. هذا التشدد في القوانين تجاه حرية الادب”لا تحمي الفضيلة وإنما تحمي الرذيلة وتخلي بينها وبين النفوس.
وتشدد الدكتور طه حسين في الدفاع عن حرية الأدب والأدباء، أو حرية الكتاب ،وعنده أن كثير من الظواهر السلبية ،وإنما يطالب بقدر من الرقابة علي السينما ،وذلك لأسباب عدة .إنه فن طاريء علينا ويأتينا من الخارج علي الأغلب ،وما نستحدثه منه في بلادنا أقل مما نستورده من الخارج ،وإذا كانت أوربا نفسها علي حريتها تشكو من خطره علي الذوق والخلق،فأحري بنا أن نحتاط منه للذوق والخلق ،وأن نراقبه مراقبة دقيقة وألا نبيح عرضه إلا إذا وجدنا منه الخير وأمنا من شره علي أقل تقدير.
ويختم الدكتور طه حسين كتابه بسؤال مهم: هل لدينا ثقافة مصرية خالصة..ثقافتنا وطنية..؟! وإجابته بلا تردد..نعم لدينا ثقافة وطنية مصرية، وإن كانت ما تزال ضعيفة بعد،ولكنها قائمة وموجودة..
وهو يدرك أن كثيرين في أوربا لا يستريحون لمفهوم الثقافة الوطنية، بالنسبة لأي بلد لأنهم يريدون للثقافة أن تكون إنسانية في المقام الأول، ولا يمكن لأحد أن يجرد الثقافة من بعدها الإنساني،وقضايا الإنسان لكنها أيضًا تخص مجتمعًا وثقافة بذاتها،فالمواطن في إفريقيا له قضايا وهموم ليست نفسها التي لدي المواطن في آسيا أو أوربا…والثقافة كذلك تقوم علي الفرد المبدع الذي يقدمها وتنسب إليه ولا يمكن لأحد ان ينكرها عليه.
ويقترح الدكتور طه حسين في كتابه علي الحكومة المصرية أن تنشيء مدارس عربية في فلسطين وسوريا ولبنان . فإنه هنا”رجل الدولة”. الذي الذي يدرك مخاطر وجود مدارس أجنبية في هذه البلدان الثلاثة المجاورة لمصر، والتي يعتبر أن عقلياتها أقرب ما تكون إلي العقلية المصرية.
وفي حديثه في فصول الكتاب عن المدارس الأجنبية وضرورة أن تُشرف الدولة المصرية علي ما يقدم فيها من مواد لأبنائنا وبناتنا، هو هنا يتحدث كرجل دولة قبل أن يكون مفكرًا وباحثًا، ولنتذكر أنه في تلك الفترة ،كان هناك فريق وإن كان ضعيفًا من حيث العدد..يردد ويصيح بأن العلاقة بين مصر وإنجلترا لن تنقطع وأنها أقرب إلي “الزواج الكاثوليكي” وصدرت كتب ومقالات تندد وتسخر بأولئك الذين يطالبون بالاستقلال وخروج إنجلترا نهائيًا من مصر .
وكان في رأي هؤلاء أن مصر نهضت إداريًا وماليًا تحت الإنجليز، ولذا لا يجب أن يخرج الإنجليز من هنا وأن لا نغادرهم نحن،وهؤلاء كان من علية القوم وكانوا من المؤثرين في صناعة القرار المصري، كانوا من المقربين جدًا إلي” قصر الدوبارة” مقر المندوب السامي البريطاني ، السفارة البريطانية بعد معاهدة 1936 .
ويوجه الدكتور طه حسين رسالة في مقدمة كتابه :” ومن يدري! لعل هذا الكتاب كله أو بعضه سيقع موقعًا حسنًا من بعض الذين إليهم أمور التعليم،ولعلهم أن يأخذوا ببعض ما فيه من رأي.
ومن يدري! لعل هذا الكتاب كله أو بعضه ان يقع موقعا سيئًا من بعض الناس، ولعلهم أن ينقدوه وان يثيروا حوله هذا الجدال الخصب، الذي يجلي وجه الحق في كثيرٍ من الأحيان،وهو علي كل حال سينبئ الشباب بان أساتذتهم وآباءهم لهم الغلظة والجفوة في كثير من الظروف ؛ إنما يقدمون علي ذلك لأنهم يحبونهم كما يحبون أنفسهم ،وأكثر مما يحبون لأنفسهم،ولأنهم يؤثرونهم بالخير،ويختصونهم بالبر ويحرصون أشد الحرص علي أن تكون أجيال الشباب خيرًا من أجيال الشيوخ وعلي أن يحقق الشباب لمصر من المجد والعزة ومن النعمة والرخاء ما عجز الشيوخ عن تحقيقه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.