عمرو نبيل يكتب | القوة التي هزمت “العولمة”.. إنها “السياسة”

0

هل يمكن هزيمة “العولمة”؟ وما هي تلك “القوة” التي يمكنها هزيمة “العولمة”؟
قوة “العولمة” هائلة تكمن في قوة كبرى الشركات العابرة للحدود التي تتبرع للسياسيين الأمريكيين بالحزبين الديمقراطي والجمهوري لنشر “العقيدة النيوليبرالية” في كل العالم من أجل “السوق الحر”.
هذا التحليل لظاهرة “العولمة” يجعلها بنتهى البساطة عبارة عن سيطرة لـ “القوة الاقتصادية” على ” القوة السياسية”.
ولكن لماذا تسعى “القوة الاقتصادية” إلى السيطرة على “القوة السياسية”؟
يجيب المؤرخ “كوين سلوبوديان” على هذا السؤال بأن “الرأسمالية” تخشى “الديمقراطية” فهي أكبر تهديد لها، ويرى أن هدف المفكرين النيوليبراليين كان “حماية الرأسمالية على مستوى العالم بأسره”، وأن مؤسسات المشروع النيوليبرالي صممت لا لـ “تحرير” الأسواق بل لـ “تغليف” الأسواق من أجل “تحصين الرأسمالية ضد تهديد الديمقراطية”.
لكن على ما يبدو أن هذا الـ “تغليف” من جانب ظاهرة “العولمة” ظل يضغط على “القوة السياسية” بصورة أكبر من قدرتها على الاحتمال، وهو الأمر الذي ينذر بـ “انفجار سياسي” يدمر حصون “الرأسمالية”.
فلقد أدت السياسات “النيوليبرالية” لـ “تطرف سياسي” نتيجة للانفصال الخطير لـ “الاقتصاد العالمي” عن “السياسة الوطنية”، وفقًا لـ “فورين آفيرز”، التي ترى أن صانعو السياسات في أمريكا رأوا العالم مسطحًا ولم يأخذوا “الجغرافيا” في الحسبان فالمكان لا يهم لأن “اليد الخفية” تعمل في كل مكان، غير أنه منذ بداية “جائحة كورونا” و”الفصل الاقتصادي بين أمريكا والصين” و”حرب روسيا في أوكرانيا” أصبح لـ “المكان” أهمية، وسيكتسب “العمل” القوة بالنسبة لـ”رأس المال”، وسيكون لـ “السياسة” تأثير أكبر على “الاقتصاد”.
على الرغم من أن هناك دعم متزايد للفكرة القائلة بأن العالم لا يشهد “إزالة العولمة” بل “إعادة العولمة” إلا أن مارك ليونارد مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية يرى أن الاختلافات بين الموجة التالية من العولمة والموجة الأخيرة ستفوق بكثير أوجه التشابه بينهما، فبينما كان النموذج القديم يتعلق بـ “أرباح الشركات” فإن النموذج الجديد يتعلق بـ “الأمن القومي” بكل أبعاده.
هذه ليست مجرد توقعات، فلقد دعا مستشار الأمن القومي الأمريكي جاك ساليفان لسياسة خارجية تُعيد النظر في منظومة “العولمة” و”التجارة الحرة” التي أدت لتراجع الموارد والخدمات العامة، وتصاعد دور الشركات العابرة للدول، وانتقال الوظائف والصناعات للصين وشرق آسيا، وتراجع الدخل الضريبي على الشركات، وتزايد الفقر وعدم المساواة، مما أثر بالسلب على الطبقة الوسطى الأمريكية ودفعها لتأييد ترامب.
تعد هذه الدعوة من إدارة بايدن بمثابة “هزيمة سياسية للعولمة”، فإذا كان شعار حملة بيل كلينتون الانتخابية الذي استخدمه ضد جورج بوش الأب عام 1992 عندما اعتبر بوش المرشح الأقوى بسبب خبرته السياسية هو “إنه الاقتصاد يا غبي”، ليوحي بأن كلينتون الخيار الأفضل لعدم اهتمام بوش بالاقتصاد، فأنه بعد 30 عامًا ظهر تيارًا جديدًا داخل الحزب الديمقراطي ذاته ليرد على كلينتون بلسان الحال: “إنها السياسة يا غبي”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.