فلاح امين الرهيمي يكتب | أهمية الثقافة في حياة الشعوب

0 106

تعتبر الثقافة من القيم الروحية للإنسان لأنها تمتاز بنظرة عامة للوجود ومن خلال هذه النظرة تقوم بدور وفعل تؤدي إلى إعادة خلق وتشكيل الإنسان بما يتفق مع هذه النظرة وبهذا فهي تعتبر ذات طابع يؤدي إلى تطور الإنسان نحو المستقبل والتطلع إلى التقدم والتطور وهي من خلال ذلك أيضاً تعتبر الباب الواسعة التي يدخل من خلالها الإنسان إلى رحاب العلم والمعرفة والوعي الفكري والديمقراطية كما تعتبر الثقافة الكل المعقد المتشابك في أساليب الحياة الإنسانية المادية وغير المادية أي الفكرية أو المعنوية أو الروحية التي ابتكرها الإنسان واكتسبها وما يزال يكتسبها بوصفه عضواً في جماعة أو مجتمع في مرحلة معينة من التاريخ وتطوره تقدماً أو تدهوراً أو تراجعاً
إن للثقافة جانبان … جانب روحي وهو الذي يضم القيم والمعايير والنظم والاعتقادات والتقاليد والجانب المادي وهو الذي يمثل التجسيد المحسوس للجانب المعنوي فيما يصاغ من أدوات ومنشآت الذي يطلق عليه تسمية (الحضارة) وإذا كانت الجماعة المعنية مستقرة وتتفاعل ثقافة المجتمعات المختلفة على كلا الجانبين بالشكل الذي تنشأ فيه ثقافة جديدة تتعاقب على كل مجتمع أو أمة لأن الثقافة ليست جامدة وثابتة وذلك لأن ليس لكل مجتمع أو أمة ثقافة واحدة لا تتغير على مر العصور .. وكانت الحضارات أي الجانب المادي من الثقافة جزء لصيقاً بها بحيث كان من الممكن أو اليسير أن تتمايز الحضارات بتمايز المجتمعات في العصور القديمة والمتوسطة ولكن عندما توسع التبادل بين المجتمعات في الجانب المادي من الثقافات (الحضارات) وازداد استقلال الحضارة عن الجانب الروحي الذي ظل فيه التبادل بين المجتمعات محدوداً وأصبحت الثقافة عنواناً يختصر به الجانب الروحي أو المعنوي عندئذ اشتركت ثقافات متعددة في حضارة واحدة بعينها بعد أن كانت الحضارة في القديم من الزمان جزءاً من الثقافة ويعني هذا أن المجتمعات والأمم المتباينة مع سائر العالم مع احتفاظها بثقافتها الخاصة ومن خلال ذلك تبرز أهمية الثقافة على الشعوب وتطورها وتقدمها.
وتعتبر الثقافة الباب الواسعة التي يدخل من خلالها المثقفون إلى رحاب المعرفة والوعي الفكري والديمقراطية والقوة والإمكانات الواسعة على فهم الذات الإنسانية وتطورها والمحاورة والمناقشة مع الآخرين.
يقول المفكر الماركسي الإيطالي (غرامشي) إن الثقافة تلعب دوراً فعالاً حينما تتحول إلى أداة للفعل السياسي عن طريق الوعي الفكري بالاتكاء على مجمل القوى الاجتماعية الصاعدة التي تتطلع إلى عالم جديد فلابد لها أن تمتلك وعياً جديداً قادراً على صنع التغيير والتحول إلى عالم جديد لأن الدعوة إلى ثقافة جديدة معناها الدعوة إلى ممارسات ومبادرات من شأنها أن تخلق إنسان جديد ومجتمع جديد.
إن الإنسان الجاهل يعيش داخل نفسه أما الإنسان الواعي والمدرك يعيش دائماً خارج نفسه مع جماهير الشعب الواسعة لأن الإنسان المثقف والواعي يعيش في أفكار الآخرين فهو كالمرآة يرى من خلالها انعكاس نفسه وكلام ورأي الآخرين فيصبح انعكاس متبادل بينه وبين الآخرين … ويقول أيضاً إن خلق ثقافة جديدة لا يعني الاقتصار على الاكتشافات الفردية الأصيلة بل يجب تحويلها إلى قاعدة للأعمال الحيوية لأن دور المثقفين الطبيعي وبحكم معرفتهم هو تنوير الطريق خصوصاً أمام هذه الصورة القاتمة لعالم يقبع في ظلام اجتماعي لا مثيل له جراء هذا التفرد الأحادي لإرادة الرأسمال العالمي الذي لا يعكس برأينا الطبيعة البشرية المتعددة الأبعاد إذ أن سيادة هذا الواقع ستؤدي إلى صنع وتكوين إنسان مستلب من القيم الإنسانية السامية أي إنسان ذو بعد مادي واحد يتطابق مع أحادية سلطة رأس المال العالمي.
ويقارن الدكتور محمد عابد الجابري .. كيف كانت الثقافة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي .. ثقافة استعمارية امبريالية .. ثقافة وطنية تحررية .. أما اليوم فالتصنيف الذي يريد تكريسه الواقعون تحت تأثير أيديولوجية العولمة هو ذلك الذي يجعل الثقافة صفين … ثقافة الانفتاح والتجديد . ثقافة الانكماش والجمود … أي أن الأولى ثقافة التبعية والثانية الثقافة الوطنية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.