محمد علاء يكتب | أسئلة مشروعة حول الجامعات الأهلية

0

تبعًا لتصريحات رسمية فإن الحكومة لديها خطة للتوسع في الجامعات الأهلية، بما سوف يمثل طفرة غير مسبوقة في التعليم العالي بما يتيحه من فرص للتعليم المتميز، وهذه الجامعات غير هادفة للربح، حيث يعاد ضخ المصروفات الدراسية في ميزانية الجامعة.
كما أن هناك مشروعًا لقرار بتخفيض وترشيد الإنفاق الحكومي للجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة، ويشمل هذا القرار تقليص إنفاق الجامعات الحكومية، بما فيه الإنفاق على المؤتمرات العلمية أو المساهمة في تكاليف سفر أعضاء هيئات التدريس للمشاركة في مؤتمرات دولية. وتستمر حالة الجدل في الأوساط السياسية وبين المهتمين بالعمل الأكاديمي حول مستقبل التعليم العالي في مصر.
يؤسس المعارضون للتوسع في إنشاء الجامعات الأهلية رأيهم على رفض التكلفة الباهظة لإنشاء هذه الجامعات، خاصة مع عدم وجود عائد مادي أو تعليمي واضح، فقد أشار وزير التعليم العالي أن الحكومة استثمرت أكثر من 40 مليار جنيه في الجامعات الأهلية الأربع التي تم إنشاؤها حتى الآن، وهي جامعات الملك سلمان الدولية والجلالة والعلمين الدولية والمنصورة الجديدة، ومن غير الواضح كيف تستقطع الحكومة عدة ملايين من الجنيهات من الميزانيات البحثية للجامعات الحكومية الـ 27، بينما لا تبخل بعدة مليارات لإنشاء جامعات أهلية، في وقت يتجه فيه الاقتصاد العالمي إلي موجة تضخمية مؤكدة لن تُستثني مصر من تبعاتها.
أكد وزير التعليم العالي نصًا أن الدولة لا تنتظر تعويض استثماراتها في إنشاء الجامعات الخاصة، وأن الغرض من مصروفات هذه الجامعات هو ضمان استمرارية ونجاح المشروع، وليس تعويض رأس المال، “ولا بعد عشرات السنين”. كما تشير الأصوات المعارضة إلى مشكلة تكافؤ الفرص، حيث يخشى المعارضون من تحول الإنفاق الحكومي جهة الجامعات الأهلية على حساب الجامعات الحكومية التي تمثل إحدى الفرص القليلة المتاحة للحراك الاجتماعي في مصر.
كما يخشى المعارضون أن تُنافس الجامعات الأهلية الجديدة الجامعات الخاصة في اجتذاب الطلاب والطالبات، وتسحب من الجامعات الحكومية أعضاء هيئات التدريس المتميزين. والواقع أن تعدد وتنوع الجامعات في حد ذاته أمر إيجابي، بما في ذلك التنافس بينهم على اجتذاب الطلبة وأعضاء هيئات التدريس، خاصة مع ما أشار إليه وزير التعليم العالي من قيام هذه الجامعات بطرح برامج جديدة يحتاجها سوق العمل، وأنها قادرة على تأهيل جيل جديد قادر على التعامل مع احتياجات العصر، كما أنها قادرة على اجتذاب أموال المصريين التي يتم إنفاقها على التعليم خارج مصر، مع عدم التضحية بالعدالة الاجتماعية بالنظر إلي المنح التي توفرها للمتفوقين لكي يلتحقوا بالدراسة بها.
لذا يجب علينا أن نطرح أسئلة تسهم في إثارة مناقشة موضوعية حول قضية الجامعات الأهلية. السؤال الأهم الذي سمعته من عدد من الداعين إلى التريث في إنشاء جامعات أهلية جديدة هو قضية التمويل، وهل توجد جدوى اقتصادية من إنشائها، سواء فيما يتعلق بالطلب على خدماتها أو وجود احتياجات حقيقية في سوق العمل لخريجيها وخريجاتها تسهم في إحداث نهضة اقتصادية على المستويين المتوسط وطويل الأجل تبرر ما يتم إنفاقه عليها؟
النموذج الحالي للتوسع في إنشاء الجامعات الأهلية هو قيام جامعة حكومية بتخصيص الأرض بينما تتحمل الدولة تكاليف البناء، والذي تبلغ تكلفته في المتوسط حوالي 10 مليارات جنيه للجامعة الواحدة وفق تصريحات السيد وزير التعليم العالي، ومن الطبيعي أن يطلب المهتمون تبريرا لهذا الإنفاق.
لا شك أن الاستثمار في التعليم العالي والبحث العلمي أمر ضروري، فهو قضية تتعلق بنهضة الأمم، ولا يمكن تقديره بالجوانب المادية وحدها.
لذا تركز أسئلتي على جوانب الحوكمة، خاصة المتعلقة بإمكانيات وحرية البحث العلمي، وكيفية قياس ما حققته هذه الجامعات من حيث الإسهام العلمي ومستوي الخريجين والخريجات.
في أحد التقسيمات للجامعات بالولايات المتحدة الأمريكية، نجد أن بعض الجامعات يكون معتمدًا بشكل شبه كامل على المصروفات الدراسية tuition dependent، وهذا النوع من الجامعات في الغالب لا يحظى بترتيب متقدم بين الجامعات الأمريكية، حيث ينصب غالبية وقت الأساتذة في هذه الجامعات على التدريس، ويكون العبء التدريسي في حدود ثلاثة مقررات في الفصل الدراسي الواحد، وبالتالي لا يتاح أمام الأستاذ الجامعي الوقت الكافي للتركيز على البحث العلمي، كما أن عددا من هذه الجامعات ليس لديها برامج للدراسات العليا، ومن ثم لا يوجد عدد كاف من الباحثين لمساعدة الأساتذة على القيام بأبحاثهم، مما يقلل الإسهام العلمي لهذه الجامعات.
النوع الآخر من الجامعات هي الجامعات البحثية، ومن أبرزها الجامعات العظمي على مستوي العالم مثل: هارفارد وبرينستون ويال، وهذه الجامعات لا تعتمد على المصروفات الدراسية، وبعضها لديه وقفيات بمليارات الدولارات، مثل جامعة هارفارد التي تبلغ قيمة وقفيتها ما يزيد على 53 مليار دولار، الأمر الذي مكنها من تقديم منح دراسية قيمتها 597 مليون دولار في عام 2021 وحده، ومن ثم فإن هذه الجامعات ليست فقط قادرة على اجتذاب أفضل الأساتذة والباحثين للتدريس بها، ولكنها أيضا قادرة على اجتذاب طلبة دراسات عليا متميزين من مختلف أنحاء العالم بما يثري العملية البحثية.
من هنا فإن أول أسئلتي هو: هل ستكون جامعاتنا الأهلية معتمدة على المصروفات tuition dependent أم بحثية؟ وهل ستكون قادرة على تمويل أنشطتها البحثية ذاتيا وإنشاء برامج متميزة للدراسات العليا؟
سؤالي الثاني عن الحرية الأكاديمية، والذي يرتبط في الأكاديميات الغربية بما يعرف بنظام التثبيت في العمل الجامعي tenure system، ويقوم هذا النظام على تعيين عضو هيئة التدريس لفترة مؤقتة، في الغالب خمسة أعوام، يكون عليه خلالها أن يقوم بأبحاث ذات قيمة علمية والحصول على تمويل لهذه الأبحاث، بحيث يتم الحكم على أدائه بعدها ومنحه التثبيت tenure على هذا الأساس، وهو ما يعني أنه من وقتها يكون غير قابل للعزل، وهو النظام الذي يشجع على البحث العلمي أولا ويضمن الحرية الأكاديمية، ثانيا من خلال تحصين عضو هيئة التدريس من العزل من منصبه بسبب توجهاته البحثية ما لم تشمل سلوكياته مخالفات أخلاقية جسيمة.
سؤالي الثالث حول قياس الإسهام العلمي، ومساءلة إدارة الجامعة عما تم إنجازه خلال فترة زمنية محددة، مع إتاحة الفرصة لمجلس الأمناء للحصول على معلومات دقيقة عن أداء الجامعة.
سؤالي الأخير، والأصعب في الإجابة عليه، هو قياس الأثر، وكيف نعلم خلال خمسة أو عشرة أعوام من الآن ما إذا كانت هذه الجامعات قد حققت نتائج ذات أثر على الأداء الاقتصادي وسوق العمل وإسهام مصر في التقدم العلمي العالمي.

* محمد علاء، أستاذ الإدارة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.