محيي النواوي يكتب | تجديد الخطاب الديني .. محاولة للفهم

0 181

قبل أن نبدأ.. إن قضية تجديد الخطاب الديني تُعد من القضايا الهامة والمطروحة بقوة منذ سنوات.. وفى تقديري أن صورة مغايرة تمامًا للحقيقة قد اتخذت عن الدين الإسلامي نتيجة الخطاب المتطرف الذي صدره المتطرفون، والذين يدعون أنهم دعاة للإسلام! فأصبحنا أمام متطرفون يطلقون على أنفسهم “شيوخًا” فتصدر المشهد عددًا كبيرًا من الجهلاء وخاطبوا الناس بإسم “الدعوة”.
إننا إزاء معادلة بائسة ظهرت نتائجها خلال السنوات الماضية نتيجة تصدر -الذين لا يعلمون- شاشات التليفزيون، ومنابر المساجد.. ويخاطبون الناس بكلام يحمل بداخله رسائل مفخخة، وغير التي نص عليها الإسلام!
من النادر أن يكون أحدًا من هؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم “شيوخًا” حافظًا للقرآن أو عارفًا بعلم الحديث.. أو مطلعًا على علوم الفقه أو أصول الدين! فهؤلاء الذين أعتلوا منابر المساجد وتصدروا شاشات التلفاز لسنوات -دون أن يكون لديهم المنهج الصحيح- أكدت لنا الأيام بما لا يدع مجالًا للشك أنهم صدروا خطابًا متطرفًا نتج عنه صورة مخالفة لمبادئ الإسلام السمحة.. فالثرثرة لا تعني “الدعوة”!
الإسلام السياسي حول ديار المسلمين إلى أرض الجوع والخوف. صدرت جماعات الإسلام السياسي مشهدًا داميًا فى بلاد المسلمين، وجعلت العالم الإسلامي محاصرًا بين “داعش” و “طالبان” و “بوكو حرام” و “القاعدة”.. الذين حولوا ديار المسلمين من ديار آمنة إلى ديار مدمرة.
صدر من يطلقون على أنفسهم “شيوخ الجهاد” خطابات دموية كانت نتيجتها بناء جيش من المتطرفون والإرهابيون.. بل والأهم فى ذلك أن خطابات هؤلاء الشيوخ هاجمت أقرانهم من شيوخ الجهاد فى الجماعات الأخري.. فباتت داعش ضد القاعدة والقاعدة ضد داعش وكل جماعة باتت تدعي أنها هي الأحق بأن تكون هي دولة الخلافة.. فى مشهد يثبت ويؤكد أن الهدف الأساسي من وراء تلك الجماعات وخطابها المتطرف هو الوصول إلى “الخلافة المزعومة”.. فهم يزعمون هدم “الدولة” من أجل بناء “الأمَّة”.. ثم يغرقون المسلمين فى مستنقع العدم.. فلا “دولة” ولا “أمَّة”! نجح هؤلاء المتطرفون نتيجة خطاباتهم المسمومة فى إزدراء “المعرفة” وإستثمار “الجهل” وفى “إزدراء الفضيلة” وإستثمار “القلق”!
الخطاب الديني هو خطاب يستند إلى مصادر التشريع الإسلامي وهي: “القرآن الكريم”، “السنة النبوية”، “ومصادر التشريع الإسلامي الأخري”. وهنا يجب أن نفرق بين كلمة “خطاب” وبين كلمة “ديني”. فكلمة “خطاب” مأخوذة من الفعل “خطب” أي تعني: تكلم وتحدث لمجموعة من الناس عن أمرًا ما. وهنا مكمن الموضوع.. فالخطاب أي الطريقة التي يتحدث بها الخطيب إلى المخاطب يجب أن تتناسب مع الجيل الحديث، ومجريات العصر. أما الكلمة الثانية وهي “الديني” أي الدين.. فهي كلمة عامة.. تشمل كل الأديان.
إذن فالخطاب الديني بذلك هو القناة الشرعية لنشر مبادئ الدين.. فالخطاب الديني يشمل “خطبة الجمعة”، و “الدروس الدينية”، و”وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة”.
ما هو الفارق بين النص الديني والخطاب الديني؟ فى هذا الصدد يجب علينا أن نتناول الموضوع بشكل مبسط حتى يسهل الفهم لأن هذه النقطة هي المدخل الأساسي فى تقديري لمعرفة ما هو “تجديد الخطاب الديني”. فالنص الديني: هو كل ما ثبت صدوره عن الله وعن رسوله الكريم.. أي “القرآن” و “السنة”. أما الخطاب الديني: هو الأداة والإجتهاد الذي يوضح ويظهر النص الديني. إذن “النص الديني” هو “كتاب الله” و “سنة رسوله” والإثنان من الثوابت التي لا تحتمل الخطأ لأنهم من الله ورسوله. وعلي هذا فإن احتمالية الخطأ فى الخطاب الديني واردة.. لماذا؟ فالخطاب الديني: هو قائم على الإجتهاد.. فهو ما يفهمه أو ما يستنبطه الفقيه من النص الديني.. وبما أننا أصبحنا أمام “إجتهاد” و”فهم” و”إستنباط” فأننا أمام أحتمالية حدوث الخطأ.. لأن الإجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، والمجتهد يختلف إجتهاده عن إجتهاد الآخر.. فكل مجتهد يعبر عن مقدار فهمه وإدراكه. وتأسيسًا على تلك القاعدة -فى إجتهادي- فإن “الخطاب الديني” قابل للنقد والتقويم والتجديد.. لإنه إجتهاد بشري قد يحمل الخطأ.. أما “النص الديني” ثابت بالكتاب والسنة.
اختلفت الآراء حول تجديد الخطاب الديني وأنقسموا إلى فريقين.. فريق مؤيد للتجديد وفريق معارض للتجديد. فالفريق المؤيد: يري أن الخطاب الديني أحد أهم العناصر الأساسية لمواجهة التطرف والإرهاب الذي عانت منه مصر والمنطقة، وأستندوا فى ذلك لحديث التجديد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم “إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا.” صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم.
هذا الحديث دليلًا علي أن التجديد أمرًا ليس بالممنوع. أما الفريق المعارض: يري أن التجديد يعني المساس بالثوابت. وفى تقديري أن التجديد يشمل شرح النص الثابت.
إن قضية التجديد ليس فقط مسئولية رجال الدين والمؤسسات الدينية، وإنما هو مسئولية مشتركة بين كل مؤسسات الدولة المصرية. فنحن بحاجة إلي تجديد الخطاب الديني من أجل إظهار الإسلام بصورته الحقيقية التي تدعو إلى التسامح، ومجابهة الخطاب المتطرف بالخطاب المعتدل فى معركة فكرية يخرج منها الخطاب المتطرف منهزمًا هزيمة ساحقة.. من أجل تحقيق معادلة: “الإسلام الحضاري” الذي يجعل بلاد المسلمين آمنة.. بدلًا من معادلة: “الإسلام السياسي” الذي حول ديار المسلمين إلى الدمار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.