ممدوح رمضان يكتب | كرة القدم بين المتعة والأرباح

0 159

“لا نريد المزيد من ليستر سيتي”. لك أن تتخيل أن هذه العبارة لم تكن من أجل جذب القارئ، بل كانت نصًا ما قيل على لسان أحد ملاك الأندية الستة الكبرى في الدور الإنجليزي في لقاء، في العام السابق، مع جريدة الاندبندنت البريطانية. نعم لا يريدون المزيد من ليستر سيتي، لا يريدون المزيد من دورتموند، لا يريدون المزيد من موناكو وليون.

تم الإعلان، في 18 أبريل الحالي، عن إنشاء دوري السوبر الأوروبي، بتمويل من بنك “JP Morgan” وهو عبارة عن بطولة يشارك بها 20 ناديًا، منهم 15 ناديًا ذو مقاعد ثابتة، أي لن يتم إقصائهم من البطولة تحت أي ظرف. تم الإعلان تباعًا عن 12 ناديًا منهم ولم يتم الإعلان عن الـ 5 أندية ذات المقاعد المتغيرة. لم يتم الإعلان أيضًا عن كيفية اختيارهم، وكل ما قيل كان كلامًا مرسلًا. تلي ذلك الإعلان غضبٌ شديد من جميع العاملين ومشجعي كرة القدم، واحتجاجات لجماهير بعض الأندية، نتج عنه انسحاب معظم الأندية المشاركة في البطولة قبل أن يتم إلغائها.
فكرة السوبر الأوروبي تقوم على وجود عدد من الأندية الكبار، وهي مانشستر سيتي، ومانشستر يونايتد، وليفربول، وتشيلسي، وتوتنهام، وأرسنال، وريال مدريد، وبرشلونة، وأتلتيكو مدريد، ويوفينتوس، وإنتر ميلان، وميلان، سيظلون كبارًا إلى الأبد. لو تم تطبيق هذه الفكرة في بداية الألفية، فتأكد يا صديقي، لن يتواجد فيها تشيلسي والسيتي على أقل تقدير.
فما هي فكرة السوبر الأوروبي؟ كبار أوروبا يرون أن العائد المادي من دوري أبطال أوروبا ضعيف وذلك لثلاثة أسباب، أولًا: اليويفا (الاتحاد الأوروبي لكرة القدم) يأخذ الكثير من الأموال دون وجه حق، ولن نختلف معهم في هذا. ثانيًا: افتقاد الجماهير والإعلانات للمباريات الكبيرة، إذ أن كرة القدم قد ملَّت من مشاهدة ريال مدريد يقابل دينامو زغرب، فهم يريدون مشاهدة أغلى اللاعبين. وثالثًا: سوء توزيع العائد المادي من دوري أبطال أوروبا على كبار أوروبا. باختصار، كبار أوروبا يقولون إنه لا توجد عدالة في توزيع الأرباح. أنا لا اتهكم يا صديقي، أنا أحاول أن أختار ألفاظي بعيدًا عن التهكم ولكن ما باليد حيلة.
الفكرة ليست وليدة اليوم، إذ أن لورنتينو بيريز، رئيس نادي ريال مدريد، يحاول منذ أكثر من 10 سنوات تطبيق الفكرة، وتم التلميح إليها أكثر من مرة من قبل، آخرها كان ما قيل على لسانه في لقاء مع قناة “CHTV” من خسارة الأندية الكبرى ما يقرب من 5 مليار يورو عقب جائحة كرونا، وكأن العالم مدين لرجال الأعمال بتعويض الأرباح التي لم يحصِّلوها نتيجة الوباء.
يتحدثون عن ضعف المنافسة وكأنه ذنب دينامو زغرب أن أحواله المادية ليست على ما يرام. هؤلاء الناس هم من فرَّغوا كرة القدم من معناها منذ البداية، هم من يزيلون كل يوم ارتباط النادي باللاعب وبالجمهور.
ما شعورك يا صديقي حينما تسمع مواطنًا إنجليزيًا يتحدث عن مدى سوء قارة إفريقيا، يتبادر إلى ذهنك أعنف ألفاظ السباب، وسترى في كلام ذلك المواطن اللامنطق. كيف يتحدث عن ضعف أحوالنا وعقود من الاستعمار ونهب ثروات البلاد سبب رئيسي فيها. نختلف مع بيريز في طموحه بالحصول على نصيب أكبر من كل خصومه نظرًا لوجود قاعدة جماهيرية أكبر لفريقه، فكيف يتم توزيع الجوائز المالية في دوري الأبطال؟
في موسم 2018 – 2019، أعلنت اليويفا عن رصد مبلغ 2.04 مليار يورو مجموع جوائز دوري الأبطال. قبل انطلاق البطولة يحصل كل نادي خرج من الدور التمهيدي الحاسم لدوري الأبطال على خمسة ملايين يورو إضافة إلى بطاقةٍ تؤهله مباشرةً إلى دور المجموعات في بطولة الدوري الأوروبي. ويحصل كل نادٍ يصل إلى دور المجموعات بدوري الأبطال على 15.25 مليون يورو، إضافة إلى 2.7 مليون يورو عن كل فوز و900 ألف يورو عن كل تعادل خلال هذا الدور. يحصل كل نادي يتأهل إلى دور الـ 16، بعد تجاوز دور المجموعات، على 9.5 مليون يورو إضافة إلى 10.5 مليون يورو في حالة الوصول إلى الدور ربع النهائي و15 مليون يورو لكل فريق يصل إلى المباراة النهائية بالإضافة إلى 4 مليون يورو للفريق الفائز بالبطولة، و3.5 مليون يورو أخرى للبطل الذي يلعب في كأس السوبر الأوروبي.
كل هذه النسب والأرقام تمثل ما يقرب من 55% من مجموع الجوائز المرصودة لدوري الأبطال، بينما يتم توزيع 30% أخرى على الفرق الـ 32 المشاركة في البطولة -بناءً على تصنيف اليويفا الذي يعتمد على نتائج كل نادٍ في المسابقات الأوروبية خلال 10 سنين- ويحصل الفريق المتصدر للتصنيف على 32 مليون يورو، بينما الأخير يحصل على مليون يورو. يتم توزيع الـ 15% الأخيرة بناءً على القيمة التسويقية للدوري الذي ينحدر منه كل فريق وقيمة حقوق البث في كل دولة.
هذا هو النظام الذي يراه كبار أوروبا غير عادل، حتى مع مساوئ هذا النظام، بما فيه من استغلال للفرق الصغيرة، وتوزيع غير عادل، وتوحش رأسمالي جشع يؤدي إلى زيادة غنى رؤساء الأندية ووكلاء اللاعبين واللاعبين أنفسهم دون النظر إلى جودة المنتج، يراه كبار أوروبا، أمثال ريال مدريد وبرشلونة وتشيلسي وليفربول وأرسنال وتوتنهام، غير عادل.
دعونا نسأل السؤال الأول والأخير لكرونكي، رئيس نادي أرسنال، والذي لم يفز بأي بطولة دوري أبطال، أنت مالك ومال دوري الأبطال أصلًا أنت بتتكلم ليه؟ ما السيئ في الإعلان عن بطولة “دوري السوبر الأوروبي”؟
الاعتراض على السوبر الأوروبي أيضًا ليس وليد اللحظة، فرغم توحش الفيفا والأندية وزيادة الفجوة بين الفرق الكبيرة والصغيرة، يوجد دائمًا اعتراض على هذا النظام، ودائما ما يرفع الجمهور من ينجح من الفرق الصغيرة بدون تفكير. على سبيل الذكر هل تعلم أحدًا كان حزينًا لرؤية نادي ليستر يفوز بالدوري الإنجليزي؟
صرح ستة رؤساء، على الأقل، لكبار أندية إنجلترا، على سبيل المثال، عن عدم رغبتهم في وجود مزيد من الأندية مثل ليستر سيتي، لأن الجمهور -حسب زعمهم- يفضِّل فوز الفرق الكبيرة باللقب. السبب الحقيقي لاعتراض رؤساء الأندية أن المعلنين هم من يفضلون فوز الفرق الكبيرة لأسباب تسويقية، المعلنون يمكنهم تسويق نجاح مانشستر سيتي عن نجاح ليستر سيتي. الفرق الكبيرة لديها ما يمكن تسويقه، أما ليستر سيتي فكم يبلغ عدد متابعيه، كم يبلغ عدد متابعي لاعبين مثل جيمي فاردي والبرايتون، وهو واحد من أهم أسباب فوز ليستر بالدوري بعد كانتي وفاردي ومحرز، من هو البرايتون من الأساس؟ وما هي قيمته التسويقية مقارنةً بلاعبي الفرق الكبرى؟
السيئ في بطولة “السوبر ليج”، باختصار، هو زيادة الفجوة بين الفرق الكبيرة والصغيرة، مما يؤدي إلى انعدام المنافسة في الدوريات المحلية.
ذكرت صحيفة الجارديان البريطانية، في تقرير لها عام 2017 بعنوان “لماذا نشاهد كرة القدم رغم التكرار” أنه رغم تكرار أحداث مثل فوز يوفينتوس ببطولة الدوري الإيطالي للمرة السادسة على التوالي أو فوز بايرن ميونخ بالدوري الألماني للمرة الخامسة على التوالي، لا تزال الجماهير تتابع بشغف لوجود احتمالية المفاجاة.
ستنتهي تلك الاحتمالية مع تطبيق بطولة السوبر الأوروبي. البطولة التي تضمن وجود 15 نادٍ بمقاعد ثابتة من أصل 20 نادٍ دون تغيير تهدم بشكل واضح وصريح أسس كرة القدم مثل المنافسة والاستحقاق ومبدأ تكافؤ الفرص، حتى لو كان بشكل غير كامل، فما هو الحافز الذي يستطيع أي مدرب أن يعطيه للاعبيه من أجل المكسب، فسواء كسب الفريق أو خسر لن يتغير شيء، سيلعب الفريق الموسم القادم في نفس البطولة وفي الغالب ضد نفس الخصوم.
في حالة تطبيق الفكرة، ستحدث تأثيرات على الدوريات المحلية؛ فالأندية المشاركة ستحصل على مزيد من الأرباح تستغلها في تطوير النادي وشراء أفضل لاعبي العالم وأفضل المدربين لتوسع الفجوة الموجودة بالفعل بين الأندية حاليًا وتقضي تمامًا على أي فرصة للمنافسة العادلة. سيكون الاهتمام بالسوبر الأوروبي من الإعلام في أقصاه بينما سيتم اعتبار الدوريات المحلية دوريات هواه.
لا أحاول الدفاع عن الفيفا أو اليويفيا أو اعتبار أن النظام القائم هو نظام عادل، بل بالعكس الكثير غير راضون تمامًا عن وسنحاربه إلى أن يسقط. ولكن هذا لا يعني السكوت عن محاولة سوف تزيد الطين بلة من أجل مزيد من الأرباح. هم يريدون المزيد من الأموال ونحن نريد المزيد من ليستر سيتي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.