وليد عتلم يكتب | التنوير هو الحل

0

بداية؛ هذا مقالُ شائك، يثير الجدل، لكني أراه ضرورة في مواجهة الهجمات المتتالية لكتائب الجماعات الظلامية التي تتحين الفرص لتبث سمومها الظلامية المظلمة تحت ستار الدين؛ بدأت هذه السموم مع تحريم وعدم جواز الاحتفال والتهئنة بالعام الجديد، ثم عدم جواز تهنئة الأخوة المسيحيين بعيد الميلاد المجيد للسيد المسيح، وبلغ الأمر حد مهاجمة وتكفير الإمام الطيب شيخ الأزهر ذاته الذي أجاز وبارك التهئنة والاحتفال بالعام الجديد وتهئنة الأخوة المسيحيين.
لم يتوقف الأمر على ذلك؛ حيث انطلقوا كالعادة لمهاجمة زيارة الرئيس للكاتدرائية، واستنكارهم وتوقفهم على قوله من داخل الكاتدرائية: “نحن في بيت من بيوت الله وهو من يحمينا”، ثم الشماتة في وفاة المفكر الكبير الدكتور جابر عصفور، وأخيرًا الشماتة في موت الإعلامي القدير وائل الإبراشي. يزعجونهم حتى من قبورهم.
هذه الهجمات الظلامية تعبر عن تراجعًا واضحًا وتردي كبير لأفكار التنوير والوعي في مواجهة الجمود والتطرف، وهو ما يثير قضيتين رئيسيتين؛ الأولى: تتعلق بضرورة إعادة البحث فيما يتعلق بواقع المفاهيم في مصر، وصداها في عقل وفكر المواطن العادي؛ حيث نجحت الكتائب الظلامية، وشيوخهم الذين استغلوا الفضاء الإعلامي منذ مطلع الألفية في تشويه و “شيطنة” عديد المفاهيم، وعلى رأسها مفهومي “التنوير” و “العلمانية” على وجه التحديد، حتى استقر في وجدان وفكر المواطن العادي أن تلك المفاهيم مرادفًا للخروج على صحيح الدين والكفر به.
عن التنوير يقول الفيلسوفُ الألمانيُّ «إيمانويل كانط» وهو بصدد إجابته عن سؤال “ما التنوير” في أطروحته الشهيرة عام 1784 “التنوير هو خروج الإنسان من قصوره، وهذا القصور هو بسبب عجْزِه عن استخدامِ عقله إلا بتوجيهٍ من إنسانٍ آخر. إنَّ مبدأ التنوير هو: كن شجاعًا واستخدم عقلك بنفسك”، ووفقًا لهذا النص الكانطي، فإنَّ جوهرَ التنويرِ هو استخدامُ العقل، وعدمُ الارتهانِ لرؤى الآخر. وهو ما يؤكد عليه الدكتور مراد وهبة في عمله الموسوعي الضخم “المعجم الفلسفي” بقوله: “أن التنوير مفاده أنه لا سلطان على العقل إلا العقل نفسه”.
فيما يتعلق بالعلمانية؛ فهي تعني وفقًا لعديد الدراسات “المبدأ العام لتنظيم العلاقة بين الاسلام والدولة بما يضمن مقتضيات الحكم الدستوري، والتعددية الدينية والمذهبية، والاستقرار السياسي والتنمية في الإطار المحدد للمجتمع وفق محدداته الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية”. هنا يأتي دور الدين في الحياة العمل من خلال عمل منظمات المجتمع، وذلك في إطار الحكم الدستوري وحماية حقوق الانسان والمواطنة، دون انتهاك لتلك الحقوق بإسم الدين أو المذهبية السياسية. وهي استنادًا لذلك التعريف لا تعني إقصاء الدين عن الحياة العامة للمجتمع كما يزعم كتائب الظلام والذين يتبنون التعريف المتطرف للعلمانية القائم على الفصل الصارم والمتشدد في كل ما يتعلق بعلاقة الدين والدولة.
القضية الثانية: تتعلق بتساؤل مهم حول من يحمل الآن لواء التنوير في مصر؟ حيث بدأت رايات التنوير المصرية في السطوع مع حكم محمد على والبعثات التعليمية للخارج والتي كان بداية نتاجها الشيخ رفاعة الطهطاوي، ثم قدم الإمام محمد عبده، والذي كان منارة في عصره، مرورًا بالمفكر قاسم أمين، ثم نبوية موسى التي تعد إحدى رائدات التعليم والعمل الاجتماعي خلال النصف الأول من القرن العشرين، وسار على نفس الدرب فى تجديد قوى مصر الناعمة الدكتور طه حسين الذي رفع شعارًا مهمًا بأن التعليم حق لكل مصري كالماء والهواء، مرورًا بالأديب نجيب محفوظ، والمفكر الفيلسوف أنيس منصور، وكذلك كل من: جمال حمدان، صبحي وحيدة، سلامة موسى، فرج فودة، وانتهاءً بالدتور جابر عصفور.
تساؤل من يحمل الآن لواء التنوير يتعلق بإشكالية دعم كل من يحمل لواء التنوير والإصلاح الفكري في مواجهة الظلاميين، خاصة فيما يتعلق بحرية النشر، وعدم الملاحقات القضائية، حتى نتمكن من إعادة بناء جيل من التنويرين المحدثين الجدد.
الآن ليس من فرصة سانحة لإقرار دولة التنوير أفضل من ذلك، في ظل وجود قيادة سياسية تهتم وتعي أهمية تلك القضايا ولا تهاب الخوض فيها. لذلك، وعلى أعتاب الجمهورية الجديدة، نحن في حاجة إلى مشروع تنويري جديد أو “استراتيجية وطنية للتنوير” لمجابهة الأفكار الظلامية والمتطرفة التى شوهت الدين الإسلامى، ليكون “التنوير هو الحل”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.