وليد عتلم يكتب | مصر وأفريقيا.. اقتراب جديد

0 301

مع تولي مصر رئاسة السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (الكوميسا) بعد غياب دام لأكثر من عشرين عاماً، وقبل ذلك تولي مصر رئاسة الاتحاد الأفريقي بعد غياب لأكثر من ربع قرن، يعود للواجهة دائماً التساؤل حول الحضور المصري في أفريقيا ومدى فاعليته وتأثيره في ظل تشابك أزمة مياه النيل وتعقد مفاوضاتها.
على المستوى الرسمي عادت مصر وبقوة للحضور في أفريقيا؛ إذ أن عودة مصر لرئاسة الكوميسا والإسهام المصري الكبير في أنشطة الاتحاد الأفريقي، تدلل على استمرار النهج المصري الرسمي منذ وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي لسدة الحكم منتصف عام 2014؛ حيث جاءت القارة الإفريقية على رأس أولويات أجندة السياسة الخارجية المصرية، وذلك في إطار المسعى المصري القوي لإستعادة الدور التاريخي لمصر في القارة الأفريقية من جانب، ومجابهة عديد التحديات والتي تحول بعضها إلى ثمة تهديدات مباشرة للأمن القومي المصري، خاصة ما بعد أحداث 2011، وما تبعها من تركيز صانع القرار والمؤسسات المصرية على التحديات والمستجدات الداخلية.

هذا النهج الرسمي القائم على تعزيز قيم التعاون والتأكيد عليها، مع استبعاد كافة التوجهات العدائية وغير التعاونية، وتبني رؤى مصرية قائمة على التعاون المشترك والتنمية المتبادلة. وليس أدل من ذلك أن نحو ثلث أنشطة الرئيس الخارجية جاءت في أفريقيا حيث أكثر من 30 زيارة وقمة مصرية أفريقية مباشرة، كما كان الحضور المصري مؤثراً على المستوى المؤسسي للاتحاد الإفريقي وأجهزته؛ بدأت بعودة مصر لعضوية الاتحاد الإفريقي وصولاً إلى رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي في 2019 وهي رئاسة ليست دورية فقط لكنها تتعلق بمدى إسهامات الدولة في أنشطة الاتحاد وفقاً لما نص عليه ميثاق الاتحاد نفسه بما يعني أن الدبلوماسية المصرية كانت فاعلة بشكل كبير منذ العودة لعضوية الاتحاد الإفريقي، وكذلك على مستوى القمم الدولية، مثل القمة الأمريكية – الأفريقية، القمة الفرنسية – الأفريقية، وغيرهم.
على المستوى الأمني تساهم مصر بنحو 2500 عنصر في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في أفريقيا، حيث أحد المجالات الأساسية المرتبطة بتسوية النزاعات والتي احتلت مصر فيها موقعاً مميزاً هو مجال عمليات بناء وحفظ السلام، حيث دعمت مصر هذه العمليات منذ تأسيسها عام 1948، وكانت أول مساهمة مصرية في عمليات حفظ السلام في الكونغو عام 1960، ومنذ ذلك الحين ساهمت مصر في 37 مهمة لحفظ السلام بمشاركة 30 ألف من جنودها وضباطها، تم نشرهم في 24 دولة في إفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية. وتعتبر مصر حالياً من الدول الرئيسية في عمليات حفظ السلام، حيث تساهم حاليًا بــ 3200 من أفراد الجيش والشرطة في ست مهمات لحفظ السلام حول العالم، النسبة الأكبر منها في أفريقيا. وذلك من أجل تحقيق الاتساق بين حفظ السلام وبناء السلام في إطار رئاستها الحالية للجنة بناء السلام بالأمم المتحدة عام 2021.

غير أنه يبقي الإقرار والاعتراف بأن الحضور المصري في أفريقيا لا يزال يجابه إشكالية رئيسية تتعلق بمواريث تاريخية ومدركات سلبية بين أطرافها، ويجب الإقرار بتراجع مستوى حجم وكثافة العلاقات المصرية الأفريقية على المستوى غير الرسمي، بالشكل الذي يجعل من الصعوبة بمكان تعزيز المصالح المصرية في أفريقيا وتنميتها، وتزداد هذه الصعوبة في ظل حالة التعدد اللغوي والثقافي والديني لدول القارة.

المدركات السلبية لدى كلا الطرفين هي الاشكالية الأبرز فيما يتعلق بأزمة العلاقات العربية الأفريقية عامة والمصرية الإفريقية خاصة، ولابد من الإقرار بوجود مدركات سلبية متبادلة من الطرفين، فهناك نظرة استعلائية من الشمال الأفريقى تجاه الجنوب، ولا يمكن إنكار أن صورة الأفريقي لدى العربي هى صورة سلبية تنطوي على نظرة استعلائية، في المقابل أيضًا صورة العربي لدى الأفريقي صورة سلبية؛ فالعربي هو تاجر الرقيق الجشع، الذي لديه نزعات توسعية في أفريقيا، وهو ما نتج عنه وجود رغبة أفريقية “استبعادية”، تهدف إلى استبعاد العرب من أفريقيا، أو عدم الاعتراف بهويتهم العربية الاسلامية، أو التجاهل الكلي لوجودهم في أفريقيا. فالصورة الذهنية العربية عن الأفريقي مقترنة بالأساس بهوية عنصرية لونية؛ حيث الأفريقي هو ذلك الانسان الأسود، وهي أيضًا تنطوي على رغبة استبعادية، تستبعد العرب في الشمال الأفريقي من كونهم أفارقة. والمدرك العربي أيضاً مقترن بهوية جغرافية؛ حيث أفريقيا هي أفريقيا جنوب الصحراء غير العربية.

هنا يبرز أهمية الحضور غير الرسمي لمصر في أفريقيا؛ حيث تمتلك مصر الان العديد من المقومات التي تجعل من الأنماط غير الرسمية قادرة على ممارسة دبلوماسية موازية تعضد التوجهات الخارجية للدولة المصرية في القارة الأفريقية؛ ونتيجة لاستقرار التجربة الحزبية والبرلمانية والمدنية ما بعد ثورة 30 يونيو؛ شهدت الساحة المصرية استحداث أنماط جديدة من التنظيمات السياسية ذات الطبيعة الشبابية ممثلة في تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، وذلك كإطار ونمط جديد جامع لمختلف التوجهات السياسية.

يمكن للتنسيقية أن تكون رأس حربة الدبلوماسية المصرية الموازية في أفريقيا من خلال: خلق وتفعيل منصة شبابية جامعة للشباب الأفريقي تمثل إطار للتفاعل والتلاقي في مختلف المجالات، كذلك إطلاق منصة جامعة لمنظمات المجتمع المدني الأفريقي من خلال العمل على صياغة إطار جامع لمختلف جمعيات المجتمع المدني الأفريقية من كل دولة أفريقية. إضافة إلى ما سبق يكون من المفيد والفاعل التوسع في توظيف الإعلام الإلكتروني بمصادره المختلفة لدعم قضايا القارة المختلفة ودعم أجندة أفريقيا 2063 ــــــــ وهو ما بدأته التنسيقية بالفعل من خلال برنامج الداخل الأفريقي على قناة تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين ـــــــــ على النحو الذي يعمل على إعادة صياغة صورة مصر في القارة الأفريقية وهو ما من شأنه تحقيق التواصل على المستوى غير الرسمي مع المواطن الأفريقي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.