وليد عتلم يكتب | مصر والسعودية .. إعادة هندسة المنطقة

0 694

انتهت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للقاهرة، بعد مباحثات ولقاءات مثمرة مع الرئيس عبدالفتاح السيسي وكبار المسئولين المصريين؛ الزيارة جاءت في إطار ما يطلق عليه إعادة الهندسة الجيوسياسية للمنطقة ولإقليم الشرق الأوسط. حيث جاءت الزيارة في إطار الترتيبات الإقليمية لزيارة الرئيس الأمريكي المرتقبة منتصف يوليو القادم والذي يلتقي فيها برؤساء وقيادات المنطقة العربية خلال زيارته المنتظرة للعاصمة السعودية الرياض.

العلاقات المصرية السعودية هي نموذج للعلاقات الاستراتيجية التكاملية؛ زيارة ولي العهد السعودي للقاهرة؛ جاءت في إطار شمولية العلاقات المصرية السعودية لكافة أوجه التعاون واستراتيجيتها، سياسيًا، اقتصاديًا، وعسكريًا وأمنيًا؛ على مستوى الجغرافية السياسية؛ فمصر والسعودية هما ركائز المنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط بأكمله ومركز ثقله، وفي ضوء التحولات العالمية الجديدة واتجاه العالم نحو “التعددية القطبية” في ضوء التراجع الأمريكي لصالح فواعل وأقطاب دولية أخرى مثل: روسيا، والصين. يصبح التنسيق والتعاون بين ركيزتي المنطقة ضرورة ملحة. خاصة وأن العالم يتجه للمنطقة لتأمين احتياجاته من إمدادات الطاقة والغاز في ظل استمرار الأزمة الروسية الأوكرانية، وها هو الاتحاد الأوروبي يُعلن الموافقة على وثيقة “العلاقات الاستراتيجية” مع دول الخليج، في اجتماعه الأخير بلوكسمبورج. حيث الوثيقة الأوروبية أشارت إلى أن “الشراكة القوية بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي تعد ضرورية أيضًا في سياق أمن الطاقة والتحول الأخضر؛ عالميًا وفي مناطقنا”، ومصر الان أحد مراكز القوى الإقليمية في انتاج الغاز، لذلك فنحن لسنا بمعزل عن هذه الترتيبات الجديدة التي تأتي خارج سياق ومحددات القطب الأمريكي المتراجع.

في سياق التحولات السياسية أيضًا عالميًا وإقليميًا فإن التنسيق المصري السعودي له دلالة استراتيجية مهمة فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي بأكملها لتأمين مسار إمدادات الطاقة والغذاء للعالم؛ إذ أن التحولات الجيوسياسية على منطقتي القرن الإفريقي والبحر الأحمر، والتي سمحت في بداية القرن الماضي لأن تتحول منطقة القرن الأفريقي ساحة تفاعل واسعة للقوى الإقليمية والدولية الحليف منها والمعادي، فهناك حضور قوي وفاعل لكل من: الولايات المتحدة الأمريكية، إيران، قطر، الصين، تركيا، وإثيوبيا، وكذلك إسرائيل، كما مثلت الاكتشافات النفطية الكبيرة في المنطقة محددًا استراتيجيًا جديدًا ومهمًا في إطار التنافس الدولي في المنطقة. وهو ما يستدعى يقظة وتنسيق دائم لمواجهة ما قد ينشأ من مهددات في هذا السياق.

اقتصاديًا؛ وتحت وطأة الأزمة الاقتصادية العالمية التي طالت وتأثر بها جميع الدول دون استثناء، فإن التكامل الاقتصادي المصري السعودي على وجه الخصوص والتكامل الاقتصادي العربي عامة يجب أن يبقى له حضوره الفاعل؛ الدليل الأبرز في هذا الإطار ارتفاع قيمة التبادل التجاري بين مصر والسعودية لتصل إلى 9.1 مليار دولار خلال عام 2021 مقابل 5.6 مليار دولار خلال عام 2020 بنسبة ارتفاع قدرها 62.1 %. وفي إطار الزيارة الأخيرة تم توقيع اتفاقيات تعاون ثنائية بقيمة 8.8 مليار دولار في إطار خطة ممتدة للتعاون الاقتصادي تصل إلى نحو 30 مليار دولار.

الزيارة السعودية وما سبقها من لقاء للرئيس السيسي مع العاهل البحريني وملك الأردن، وما تبعها من زيارة ولي العهد السعودي لتركيا، وقبل ذلك كله عودة قطر والعراق للمنظومة العربية الخليجية مرة أخرى، جميعها ترتيبات تؤكد التحولات فيما يتعلق بإعادة تشكيل والهندسة السياسية للمنطقة بأكملها في إطار التحول الأكبر على مستوى القوى والمصالح العالمية. لذلك يشكل التلاقي المصري السعودي ركيزة أساسية في ظل هذه التحولات؛ ليس فقط لعمق العلاقات بين القاهرة والرياض، لكن لأهمية المواقف والتوجهات المصرية السعودية في مواجهة التحديات والمهددات الإقليمية والعالمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.