يوسف أيوب يكتب | الوعى.. القضية الرئيسية في مواجهة الحروب

0

الفكرة تهزم السلاح، قاعدة ثابتة وراسخة في علم الحروب التقليدية، فالتاريخ يخبرنا أن كثير من الحروب انتهت قبل أن تبدأ بالمكر والخداع، وحينها لم تكن هناك وسائل التواصل الاجتماعي، ورغم ذلك اعتمدت الفكرة لدى المخادعين على بث الشائعات المثيرة لدى الآخرين، حتى تنتهي لهم الفرصة للانقضاض وتحقيق انتصار غير مكلف.
حدث ذلك ولم تكن هناك كما سبق وقلت، السوشيال ميديا، فلنا أن نتخيل شكل الخداع والمكر في وقتنا الحالي، الذي لا يحتاج فيه الخصوم للمواجهة المباشرة بالسلاح، بل يكفى استخدام جيش من اللجان “خلف الكيبورد”، كل مهمتهم توجيه الشائعات وبثها تجاه الدولة أو المكان الذى يريدون الانقضاض عليه، مستغلين في ذلك عدة عوامل رئيسية، منها سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي على عقول الكثيرين خاصة فئة الشباب، بالإضافة إلى غياب الوعى والفهم والإدراك لدى الأكثرية، مما يسهل عمل هذه اللجان.
وخلال البحث في التاريخ الحديث عن كل ما كتب بشأن معركة الوعي ومواجهة اللجان الإلكترونية، استوقفني مقالًا كتبه الراحل الكبير أحمد بهاء الدين، في مجلة “روز اليوسف” عنوانه “الاستراتيجية الفكرية. معركة يخسرها الغرب!” بتاريخ 31 مايو 1956 بدأها بقوله “ليس من الإنشاء الفارغ أن نقول: أن الفكرة أقوى من المدفع! نعم إن الفكرة أقوى من المدفع. فالمدفع شيء يصنعه الإنسان.. أما الفكرة فهي تصنع الإنسان نفسه! الإنسان إذا ملأته الفكرة يصبح كائنا أخر لا تحد قوته. فإذا به يتحمل الجوع والسجن والعذاب، وإذا بجسده هذا اللين يصبح أقوى من الحديد”.
أكمل بهاء الدين مقالته بقوله “المدفع قد يكسب المعركة الأولى، ولكن الفكرة هي التي تكسب المعركة الأخيرة”، مشيرًا إلى أن “الحرب الفكرية اليوم يسميها الغرب، ويسميها الروس الغسيل الذهني، ولكنها تتفق في إنها تحاول ان تكسب الناس بالرأي، وقد انحسر الآن خطر الحرب الساخنة، واخذت سياسة القواعد العسكرية والاحلاف المسلحة تتهاوى وتتصدع. وبات مؤكدًا أن الصراع العالمي الذي يشملنا أيضًا سوف يتحول إلى ميدانيين: ميدان الاقتصاد. وميدان الدعاية، وحرب الدعاية ككل حرب لابد لها من استراتيجية”.
الحقيقة أن ما قاله الأستاذ الكبير احمد بهاء الدين قبل 65 عاماً هو شرح لما يحدث اليوم، فالحرب سلاحها الرئيسي الفكرة، وليس المدفع، لإن الفكرة قادرة على هزيمة دول دون إراقة دماء، وبأقل التكلفة، وهو ما يطلق عليها اليوم “حروب الجيلين الرابع والخامس”، لكن باختلاف المسميات والأوصاف، لكن يبقى الرابط بينهما أن الحرب بالفكرة، او بمعنى أخر أكثر دقة “معركة الوعي”.
ارتباطًا بذلك لا يمكن أن ننسى “جوزيف جوبلز” وزير الدعاية السياسية لهتلر خلال الحرب العالمية الثانية، الذي يوصف في الأدبيات الإعلامية بأنه أحد أهم صناع الدعاية في العالم، وله مقولة شهيرة وشعار كان يردده دومًا وهو “اكذب حتى يصدقك الناس”. كل ذلك يؤكد أن الكذب والتدليس والخداع وسيلة مجدية لدى البعض لتحقيق أغراضهم واهدافهم، لكنه مرهون بشيء واحد فقط، أن يكون هذا الكذب والخداع موجه لشعب لا يعي، أو بمعنى أدق “شعب غير واع”.
الوعى، من وجهة نظري، هو القضية الرئيسية الذى يجب أن يكون التركيز عليه شديد، فبدونه تبقى الدولة أو الأمة في مهب الريح، لأنه لا فائدة من مشروعات وتحقيق نجاحات في حين أن الشعب المستهدف لا يعي حقائق ما يجرى حوله، وببساطة وسهولة شديدة يسلم عقله وذهنه لمن لديه القدرة على ملئه بتوافه الأمور، وبالتالي توجيهه إلى الجهة التي يريدونها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.