أحمد شاهين يكتب | حين تصبح بياناتك سلاحًا ضدك
فيه نوع من السرقة لا يسرق منك فلوسك في لحظتها…
لا يكسر باب بيتك، ولا يهددك بسلاح، ولا حتى يخليك تعرف إنك اتسرقت.
يسرق منك شيئًا أخطر: هويتك.
اسمك، رقمك القومي، رقم تليفونك، عنوانك، بيانات أولادك، توقيعك، صورتك، معلوماتك المالية… تفاصيل تبدو عادية كل واحدة منها بمفردها، لكنها حين تجتمع في يد الشخص الخطأ قد تتحول إلى مفتاح لحياة كاملة.
وهنا تبدأ المشكلة.
لأننا دخلنا عصرًا لم تعد فيه السرقة تحتاج إلى اقتحام منزل…
يكفي أن يصل شخص إلى بياناتك.
في الفترة الأخيرة ظهرت وقائع وشكاوى جعلتنا أمام سؤال لا يجوز أن ندفنه تحت الترند ثم ننساه:
من يحمي بيانات المواطن؟
المواطن الذي يكتشف أن هناك خطوطًا محمولة مسجلة باسمه وهو لا يعرف عنها شيئًا، ماذا يفعل؟
وولي الأمر الذي يعطي بياناته لجهة تعليمية لأنه يثق أنها جهة رسمية ومحترمة، ثم يكتشف أن بياناته استُخدمت في أمر مالي لم يطلبه، ماذا يفعل؟
والأخطر من كل ذلك…
ماذا عن آلاف المواطنين الذين لم يكتشفوا أصلًا أن بياناتهم استُخدمت؟
هنا نحن لا نتحدث عن خطأ إداري.
ولا عن موظف أخطأ في تسجيل اسم.
ولا عن واقعة فردية ننتهي منها بمعاقبة شخص.
نحن أمام أزمة ثقة.
المواطن لا يعطيك بياناته… هو يضع جزءًا من حياته بين يديك
لما المواطن يكتب رقمه القومي في استمارة، هو مش بيكتب مجرد 14 رقمًا.
هو يعطيك مفتاحًا من مفاتيح هويته.
ولما يكتب رقم هاتفه، فهو لا يعطيك رقمًا فقط.
أنت أصبحت تعرف وسيلة الوصول إليه.
ولما يعطيك عنوانه وبيانات أسرته وأسماء أولاده، فأنت لم تعد أمام «بيانات عميل».
أنت أمام خريطة لحياة إنسان.
وعشان كده، لازم نغيّر طريقة تفكيرنا في الموضوع.
بيانات المواطنين ليست أوراقًا زائدة.
وليست ملفات يمكن تداولها بين الموظفين.
وليست جداول Excel تنتقل من جهاز إلى جهاز.
وليست «معلومة موجودة عندنا وخلاص».
بيانات المواطن أمانة.
والأمانة عندما تُستغل تتحول من مسؤولية إلى جريمة أخلاقية قبل أن تكون مخالفة قانونية.
أخطر ما في الحكاية أن المواطن قد يكون آخر من يعلم
تخيل أن شخصًا استغل بياناتك.
فتح خطًا باسمك.
أو استخدم بياناتك في إجراء مالي.
أو قدم طلبًا باسمك.
أنت لا تعرف.
الأمر يستمر.
ثم بعد شهور أو سنوات…
تكتشف المشكلة بالصدفة.
وهنا تبدأ رحلة المواطن:
إثبات.
شكوى.
تحقيق.
مستندات.
مراجعات.
إجراءات.
وفي النهاية يحاول المواطن أن يثبت أنه لم يفعل شيئًا.
وهنا يجب أن نتوقف.
لماذا يتحول المواطن من صاحب الحق إلى شخص مطالب بإثبات براءته؟
لماذا لا تكون المنظومة مصممة من البداية بحيث تمنع استخدام بياناته دون علمه؟
لماذا لا يكون الأصل هو:
«أثبت أن صاحب البيانات هو من قام بالفعل»
بدلًا من:
«خلّي المواطن يثبت إنه ماعملش حاجة»؟
هذا هو جوهر القضية.
لا تحمّلوا المواطن وحده المسؤولية
كل مرة تحصل مشكلة بيانات، بنقول للمواطن:
«خلي بالك من بطاقتك.»
«ما تبعتش صورة البطاقة.»
«ما تديش بياناتك لأي حد.»
الكلام صحيح…
لكن غير كافٍ.
لأن السؤال المقابل هو:
وماذا عن الجهة التي طلبت البيانات؟
وماذا عن الموظف الذي يستطيع الوصول إليها؟
وماذا عن النظام الذي يخزنها؟
وماذا عن الشخص الذي ينسخها؟
وماذا عن الجهة التي ترسلها؟
وماذا عن آلاف الملفات التي تحتوي على بيانات مواطنين؟
هل سنظل نقول للمواطن:
«خلي بالك»
بينما لا نسأل المؤسسة:
«أنت عملت إيه علشان تحميه؟»
نحن لا نحتاج مزيدًا من الاستمارات… نحن نحتاج مزيدًا من الحماية
المشكلة ليست أن المؤسسات تعرف بياناتنا.
الدولة الحديثة تحتاج إلى بيانات.
والاقتصاد الحديث يحتاج إلى بيانات.
والخدمات الرقمية تحتاج إلى بيانات.
لكن الفرق بين الدولة الرقمية الآمنة والدولة الرقمية الخطرة هو:
ماذا يحدث لهذه البيانات بعد جمعها؟
مين يقدر يشوفها؟
مين يقدر يعدلها؟
مين يقدر ينقلها؟
مين يقدر ينسخها؟
مين يقدر يستخدمها؟
ومين يتحاسب لو خرجت من مكانها؟
هذه الأسئلة يجب ألا تكون ترفًا.
والحل ليس مستحيلًا
نحن لا نحتاج إلى اختراع العجلة.
نحتاج إلى إرادة حقيقية لبناء منظومة تجعل إساءة استخدام البيانات أمرًا صعبًا، واكتشافه سريعًا، ومحاسبة مرتكبه مؤكدة.
نحتاج إلى أن يعرف المواطن بشكل واضح:
ما البيانات التي تمتلكها عنه كل جهة؟
لماذا تمتلكها؟
ومن يستطيع الوصول إليها؟
وما الخدمات أو الإجراءات التي تمت باسم هويته؟
ونحتاج إلى أن تصبح الخدمات الحساسة مرتبطة بوسائل تحقق حقيقية، لا بمجرد امتلاك صورة بطاقة أو معرفة بعض المعلومات الشخصية.
ونحتاج إلى تسجيل ومراقبة كل عملية وصول إلى البيانات الحساسة.
ليس فقط: «مين استخدم النظام؟»
ولكن:
مين دخل؟ وإمتى؟ وشاف إيه؟ وعمل إيه؟
لأن البيانات التي لا توجد عليها رقابة…
هي بيانات تنتظر أن تُستغل.
وهناك شيء أخطر: تجارة البيانات
نحن بحاجة أيضًا إلى مواجهة ثقافة التعامل مع بيانات المواطنين باعتبارها «سلعة».
بيانات العملاء.
بيانات الطلاب.
بيانات أولياء الأمور.
أرقام الهواتف.
العناوين.
المهن.
القدرات الشرائية.
الاهتمامات.
كل هذه المعلومات أصبحت ذات قيمة.
وعندما تصبح المعلومة لها قيمة مالية، يظهر من يريد بيعها.
وهنا لا بد أن يكون السؤال واضحًا:
من سمح لك ببيع حياتي؟
من سمح لك أن تجعل رقمي القومي جزءًا من قاعدة بيانات تجارية؟
من سمح لك أن تحول رقم هاتفي إلى قائمة تسويقية؟
من سمح لك أن تستخدم بياناتي لتحقيق مكسب لم أطلبه؟
المواطن ليس «بيانات عميل».
المواطن إنسان.
القضية أكبر من الاتصالات والمدارس
وهنا لا أريد أن نحصر المشكلة في شركة اتصالات أو مدرسة أو مؤسسة بعينها.
لأن حصر القضية في أسماء محددة يجعلنا نعالج العرض ونترك المرض.
اليوم مدرسة.
غدًا شركة.
بعد غدٍ مؤسسة.
ثم تطبيق.
ثم منصة.
ثم جهة أخرى.
المشكلة في الثقافة والمنظومة.
ثقافة تقول إن الحصول على بيانات المواطن شيء سهل.
وأن تخزينها شيء عادي.
وأن تداولها شيء بسيط.
وأن المسؤولية تبدأ فقط عندما تحدث الكارثة.
وهذا يجب أن يتغير.
نحتاج إلى «حق المواطن في معرفة نفسه»
أنا أعتقد أننا نحتاج إلى مفهوم جديد:
حق المواطن في معرفة ما يحدث باسمه.
كل مواطن يجب أن يستطيع، بطريقة بسيطة وآمنة، أن يعرف ما الخدمات أو الالتزامات أو الحسابات أو الخطوط أو الإجراءات الحساسة المرتبطة بهويته.
مش علشان نفتش ورا نفسنا.
لكن علشان نكتشف الخطأ قبل ما يتحول إلى كارثة.
لأن أفضل مشكلة هي المشكلة التي اكتشفناها قبل أن تؤذينا.
وأخيرًا…
قد يظن البعض أن الموضوع مبالغ فيه.
«يعني إيه لو خط اتسجل باسمي؟»
«يعني إيه بياناتي اتسربت؟»
«ما كل الناس بياناتها موجودة.»
وهنا أقول:
المشكلة ليست في أن بياناتك موجودة.
المشكلة في:
مين يملكها؟
ومين يقدر يستخدمها؟
ولأي غرض؟
وماذا يحدث لو استخدمها ضدك؟
لأن الإنسان يمكن أن يخسر مالًا ويعوضه.
ويمكن أن يخسر هاتفًا ويشتري غيره.
ويمكن أن يخسر ورقة ويستخرج بدلها.
لكن عندما تُستغل هويته…
فهو قد يدخل في معركة طويلة لإثبات شيء بسيط جدًا:
«أنا لم أفعل ذلك.»
ولهذا فإن حماية البيانات ليست رفاهية.
وليست قضية تخص خبراء التكنولوجيا وحدهم.
وليست موضوعًا يصلح للترند يومين ثم ننساه.
دي قضية تمس كل مواطن.
لأن كل واحد فينا عنده اسم.
وعنده رقم قومي.
وعنده هاتف.
وعنده أسرة.
وعنده حسابات.
وعنده حياة كاملة لا يجب أن تتحول إلى ملف مفتوح في يد أي شخص.
وفي النهاية، أعتقد أن الرسالة التي يجب أن تصل للجميع هي:
لا تنتظر أن تُسرق هويتك حتى تعرف قيمة بياناتك.
والرسالة الأهم للمؤسسات:
المواطن عندما يعطيك بياناته لا يعطيك حق امتلاك حياته… هو يمنحك ثقة.
والثقة إذا ضاعت…
لا يعوضها ألف اعتذار.