محمود المناعي يكتب | مصر والصين.. شراكة استراتيجية

0

تمثل العلاقات المصرية الصينية نموذجاً فريداً في تاريخ العلاقات الدولية، حيث تمتد جذورها لأكثر من سبعة عقود، وترتكز على أسس راسخة من الاحترام المتبادل والتاريخ المشترك والتقارب في الرؤى حول قضايا التنمية والسلام. هذه الشراكة، التي تجمع بين أقدم حضارتين في العالم، تجاوزت الإطار التقليدي للصداقة إلى شراكة استراتيجية شاملة، تعكس تطوراً مستمراً وتطابقاً في المصالح على الساحتين الإقليمية والدولية. انطلقت العلاقات الدبلوماسية رسمياً في الثلاثين من مايو عام 1956، حين كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية، وهي خطوة تعكس رؤية مصرية مبكرة لأهمية بناء علاقات قوية مع بكين، وقد سبق هذا الإعلان لقاء تاريخي جمع الرئيس جمال عبد الناصر والزعيم الصيني تشو إن لاي في مؤتمر باندونج عام 1955، الذي وضع حجر الأساس لهذه الشراكة الممتدة.

على مدار العقود، تطورت العلاقة من التعاون في مجالات محددة إلى شراكة استراتيجية شاملة عام 2014، لتشمل قطاعات حيوية مثل الاقتصاد والتنمية والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا والثقافة، وقد ساهم توافق الرؤى بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي وشي جين بينج في دفع العلاقات إلى آفاق أوسع، حيث بلغ إجمالي الزيارات واللقاءات الرئاسية إحدى عشرة قمة، مما يؤكد الإرادة السياسية العالية لتطوير التعاون. وشهد التعاون الاقتصادي طفرة غير مسبوقة، حيث ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 20.78 مليار دولار بنهاية عام 2025، وتجاوزت الاستثمارات الصينية في مصر حاجز 10 مليارات دولار، من خلال أكثر من ألفي شركة تعمل في مجالات التكنولوجيا والصناعة والتطوير العقاري.

وتتجسد الشراكة في مشروعات كبرى تعد علامات بارزة في البنية التحتية المصرية، مثل منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة التي تضم أطول برج في أفريقيا، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تجذب أكثر من مائتي شركة صينية وتوفر أكثر من عشرة آلاف فرصة عمل، بالإضافة إلى مشروعات الطاقة المتجددة في بنبان وخليج السويس. وتتجاوز الشراكة اليوم مشروعات البنية التحتية لتشمل مجالات المستقبل، حيث أصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم محاور رئيسية للتعاون، وأصبحت مصر أول دولة أفريقية تمتلك قدرات كاملة في تجميع واختبار الأقمار الصناعية، بعد إطلاق “مصر سات 2” بالتعاون مع الصين، كما يساهم معهد لوبان للتدريب المهني في تخريج كوادر فنية مصرية لدعم خطط التوطين الصناعي.

ويتقارب البلدان في رؤيتهما لنظام دولي متعدد الأقطاب، قائم على التعددية والحوار واحترام السيادة الوطنية، وتنسق القاهرة وبكين مواقفهما في المحافل الدولية بشأن قضايا مثل القضية الفلسطينية وأمن البحر الأحمر، وقد عزز انضمام مصر إلى مجموعة بريكس في 2024 من هذا التنسيق وفتح آفاقاً جديدة للتعاون المالي، بما في ذلك التوسع في استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري، وتُعد مصر بوابة الصين إلى أفريقيا والشرق الأوسط، بينما تمثل الصين لمصر شريكاً رئيسياً في التنمية ونقل التكنولوجيا. تقف العلاقات المصرية الصينية اليوم عند محطة فارقة، مع احتفالهما بمرور سبعين عاماً على التأسيس، إنها شراكة استراتيجية شاملة بنيت على أعمدة تاريخية صلبة، وتتجه بثبات نحو مستقبل يضم المزيد من التعاون في مجالات التكنولوجيا والتنمية المستدامة، لترسم ملامح حقبة جديدة من التكامل بين حضارتين عريقتين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.