أحمد فكري زلط يكتب | هندسة الاستدامة
حين حقق المنتخب المصري تعادله الافتتاحي الثمين أمام بلجيكا، تلاه فوز تاريخي على نيوزيلندا في مشوار كأس العالم 2026، أعلن الفراعنة للجميع أننا لسنا أمام مجرد “طفرة مؤقتة”. إن القراءة الاحترافية لكتيبة المنتخب تحت قيادة المدير الفني حسام حسن، وبمشاركة الأسطورة محمد صلاح، تكشف عن شفرة إدارية بالغة الأهمية: النجاح لا تصنعه الأمنيات، بل تصنعه القدرة على المناورة تحت ضغط النيران.
تجلّى التجسيد الحرفي لعلم إدارة الأزمات في سيناريو مباراة نيوزيلندا؛ وتحديداً في الـ 15 دقيقة الفاصلة بين الشوطين. دخل المنتخب غرف الملابس متأخراً بهدف، وسط توتر طبيعي، لتبدأ لغة علم المخاطر. وهنا ظهرت عبقرية القيادة؛ حيث تحولت الغرفة إلى “غرفة عمليات طارئة” نجحت في امتصاص الصدمة وتفعيل “السيناريوهات البديلة” المحاكة مسبقاً، لينزل الفراعنة في الشوط الثاني بأداء متحول كلياً تكتيكياً وذهنياً، ويقلبوا الطاولة بنتيجة تاريخية (3-1).
إن هذا التحول يثبت نجاح المنظومة في تطبيق قواعد “استمرارية الأعمال” عبر ثلاثة محاور أساسية:
المرونة التكتيكية ولين القرارات: تعديل طريقة اللعب بناءً على ثغرات المنافس هو التطبيق العملي لإجراءات التشغيل القياسية (SOPs) المرنة وسط الأزمة.
الحوكمة النفسية وعزل الضغوط: السيطرة على الذعر وتجاوز الأهداف المبكرة عبر فرض “فقاعة تركيز” حمت اللاعبين من ضباب المعركة والتشويش الخارجي.
الاستدامة التشغيلية: اللياقة البدنية والذهنية العالية طوال البطولة، رغم عناء السفر عبر قارة أمريكا الشمالية، تعكس وجود إدارة لوجستية وطبية فائقة الجودة تعمل بدقة هندسية صارمة.
رؤية للمستقبل:
الدرس الحقيقي الذي يسطره منتخب مصر هو أن “الاستمرارية” ليست نتيجة ننتظرها، بل مشروع مستقبل يجب الاستثمار فيه. والرسالة هنا نوجهها من الملاعب إلى قادة الشركات والمؤسسات التنفيذية؛ الكيانات قد تتلقى صدمة هبوط مفاجئ في الأسواق تشبه التأخر بهدف في الشوط الأول، والاختبار الحقيقي للقائد لا يكمن في غياب الأزمات، بل في كيفية إدارة الغرف المغلقة وتحويل الإحباط إلى حافز.
لا تراهنوا على طفرة اللحظة أو مهارة الأفراد الفردية، بل استثمروا في هندسة منظومة تشغيلية مرنة تحاكي جاهزية الفراعنة الحالية؛ فالكيانات العظمى لا تحميها الصدف، بل تحميها قواعد “استمرارية الأعمال” والقدرة على إعادة تموضع الاستراتيجية لضمان البقاء في القمة مهما تغيرت ظروف اللعبة.