رحاب عبدالله تكتب | وزير تعليم إمرأة
“لن يشعر بآلامك إلا من ذاقها”.. عبارة تتردد في ذهني كلما شاهدت معاناة الأمهات وأنا منهم وهم مطحنون يوميا يجرون بأقصى طاقة لديهم داخل حلقة مفرغة في محاولة يائسة للإلمام بالمناهج الدراسية ومساعدة أبنائهم على تحصيلها أملا أن لا يخرجوا من معركتهم الدراسية مكسوري النفس بعد أن قضوا عاما كاملا يبذلون أقصى ما يستطيعون حتى يفوزوا بدرجة أو تقدير يرضيهم أو على الأقل لا يشعرهم بالفشل.
يوميا يستيقظ ملايين الأمهات في الخامسة صباحا يعدون الطعام ويوقظون صغارهم للذهاب إلى المدرسة وبعد يوم دراسي مرهق يعود الطفل إلى البيت لم يحصل من المادة الدراسية سوى القليل فبعد وجبة غداء سريعة تبدأ معاناة الأمهات في تعويض الدور المفقود بالمدرسة وإعادة شرح الدروس ثم تفاجئ بحجم الواجبات والتقييمات .. فجأة يأتي وقت التمرين فتهرع وهي تحمل كتب المدرسة ليكمل الطفل أي شيء في السيارة أو الطريق لحين بدء التمرين الذي بمجرد أن ينتهي تعود الأم للبيت بطفل منهك من التعب يرغب في النوم لتصطدم بأنها لم تستطع الانتهاء من كافة المواد التي أخذها الطفل في المدرسة في هذا اليوم فتمني نفسها بأن تستكمل معه الباقي غدا ولكن كيف وهو يعود بدروس جديدة وواجبات جديدة وتقييمات أيضا جديدة.
وتمر الأيام الدراسية ثقيلة ما بين مناهج لا تنتهي وأطفال يعانون وعملية تعليمية فاشلة حصيلتها النهائية صفر.. فلا طفل استفاد بالمنهج ولا وجد لنفسه متنفس ليلعب أو يمرح في مثل هذا السن ليتربى بصورة سوية وفي النهاية لا أعتقد أن تسفر تلك التجربة عن جيل قادر على إفادة الوطن.
قد يعتقد البعض أنني اتهم المدارس بالتقصير ولكن الأزمة ليست في المدرسة وإنما في حجم المناهج الضخم وخطة الوزارة التي تلزم المعلم بإنهاء كميات كبيرة من المنهج في فترة زمنية قصيرة مما يجبر المعلم على الشرح سريعا وتخطي أمور كثيرة هامة ولا يعطي فرصة للتطبيق على ما تم شرحه وليس لديه الوقت ليتأكد من وصول المعلومات كاملة لكل طفل في فصل متوسط كثافته لا تقل عن ٤٠ طفل وأحيانا أكثر من ذلك بكثير، فيلقي بالعبء الأكبر على الأسر والأمهات.
في المقابل تواصل الوزارة تصريحاتها الغريبة حول التطوير والارتقاء بالتعليم ومنافسة التجارب الدولية العالمية وكأنها تحكم شعبا غيرنا، بما يكشف عن فجوة ضخمة بين صانعي السياسات داخل الوزارة وبين الوضع الحقيقي على أرض الواقع.
والحقيقة أنه طالما كان صانع السياسات في أي عمل ما لم يسبق له دخول المطبخ الخاص بهذا العمل وفي حالتنا هذه ما دام واضعي السياسات التعليمية لم يعانوا مع أبنائهم ولم يذوقوا مرارة تطبيق تلك السياسات على أنفسهم فلن يكونوا قادرين على وضع ضوابط تنهض بالتعليم دون أن تدمر الطفل وأسرته وسيستمرون في وضع سياسات داخل أبراجهم العالية تطبق على أطفال وأسر لا يعرفون شيئا عنهم بما يضر بل ويقضي على أي أمل في تلك العملية التعليمية، ومن هذا المنطلق فإني أطرح فكرتي لماذا لا تتولى وزارة التعليم امرأة كانت يوما أما وأدركت معنى المعاناة وبالتالي فقد عملت في هذا المطبخ قبل أن تخرج علينا بسياسات ما أنزل الله بها من سلطان.
وفي إطار سياسة الدولة واستراتيجيتها لتمكين المرأة والذي بالفعل حققت إنجازا غير مسبوق ووضعت المرأة في مناصب تشريعية وتنفيذية بل وقضائية أيضا أليس من الأولى تمكينها في مجال هي فيه المسئولة الأولى عن تطبيق السياسات وهي التي تعرف جيدا تبعات أي قرار يتخذ؟.
اعتقد أن تولي قيادة نسائية سبق لها خوض تجربة التعليم كأم سينقل العملية التعليمية في مصر لمستوى آخر يجمع بين قدراتها كقيادة نسائية وخبرتها العملية كأم تشعر بمعاناة غيرها من الأمهات كما تشعر بمعاناة الأطفال.