حسين كريم يكتب | تطور الدساتير المصرية
يُعد الدستور الوثيقة القانونية الأسمى في الدولة، فهو الذي يحدد شكل نظام الحكم، واختصاصات السلطات العامة والعلاقة بينها، فضلًا عن إقرار الحقوق والحريات العامة. وقد شهدت مصر خلال تاريخها الحديث عددًا من الدساتير والإعلانات الدستورية، ارتبط كل منها بمرحلة سياسية مختلفة.
أولًا: دستور 1923 ودستور 1930 (عهد الملك أحمد فؤاد الأول)
في 28 فبراير 1922 أعلنت بريطانيا استقلال مصر من جانبها وإنهاء الحماية البريطانية عليها، مع احتفاظها بتحفظات تتعلق بمصالحها في مصر. وفي عهد الملك فؤاد الأول عرفت مصر لأول مرة الدساتير المكتوبة، فصدر دستور 1923 ثم دستور 1930.
ويُعد دستور 1923 من أبرز محطات الحياة الدستورية المصرية الحديثة، إذ وضع إطارًا لنظام الحكم ونظم العلاقة بين السلطات وأرسى قواعد الحياة النيابية في ظل النظام الملكي. واستمر العمل به حتى أُلغي وحل محله دستور 1930، ثم أُلغي هذا الأخير وعاد العمل بدستور 1923 حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952.
ثانيًا: دساتير 1956 و1958 و1964 (عهد الرئيس جمال عبد الناصر)
أحدثت ثورة 23 يوليو 1952 تحولًا جوهريًا إذ انتقلت مصر من النظام الملكي إلى الجمهوري، ما استلزم إعادة بناء الإطار الدستوري. وفي 1952 صدر إعلان دستوري ألغى دستور 1923 ومهّد للمرحلة الانتقالية.
ثم صدر دستور 1956، أول دستور جمهوري في مصر، في إطار ترسيخ النظام الجمهوري وتنظيم مؤسسات الدولة بقيادة جمال عبد الناصر. وبعد قيام الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، صدر دستور 1958 المعروف بـ”دستور الجمهورية العربية المتحدة” ليضع الإطار الدستوري للدولة الموحدة. ثم صدر دستور 1964، وكان وثيقة دستورية مؤقتة لتنظيم شؤون الحكم، واستمر العمل به حتى صدور دستور جديد عام 1971.
ثالثًا: دستور 1971 (عهد الرئيس محمد أنور السادات)
جاء دستور 1971 في عهد الرئيس أنور السادات، ويُعد من أطول الدساتير المصرية عمرًا في العصر الجمهوري، إذ استمر العمل به لأكثر من 39 عامًا، مع ما أُدخل عليه من تعديلات، حتى قامت ثورة 25 يناير 2011 وتنحى الرئيس حسني مبارك في 11 فبراير 2011. وفي 13 فبراير 2011 أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة تعطيل العمل بأحكامه، لتبدأ مرحلة دستورية انتقالية انتهت بوضع دستور جديد.
رابعًا: دستور 2012 (عهد الرئيس محمد مرسي)
جاء هذا الدستور بمواد مخيبة لآمال وطموحات غالبية الشعب، لأن فريقًا واحدًا هيمن على عملية وضعه، ما أدى لخروج الشعب من جديد بنفس روح 25 يناير، وهو ما عُرف بثورة 30 يونيو 2013.
خامسًا: دستور 2014 (عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور)
بعد ثورة 30 يونيو 2013 وتعطيل دستور 2012، شُكّلت لجنة من عشرة أعضاء من الهيئات القضائية (لجنة الخبراء) لمراجعة دستور 2012 مادة مادة، بعد تلقي الأمانة الفنية مقترحات من مؤسسات الدولة والجامعات والأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني.
وأعدت اللجنة مشروع دستور عُرض على لجنة أوسع تمثل فئات المجتمع (لجنة الخمسين)، التي أجرت تعديلات بالإضافة والحذف. ثم تفرعت عنها لجنة صياغة ضمت لجنة الخبراء لصياغة المشروع النهائي وفق مبادئ لجنة الخمسين.
وأخيرًا عرض الرئيس المؤقت مشروع الدستور على الشعب في استفتاء عام، فتمت الموافقة عليه بأغلبية الأصوات الصحيحة في 18 يناير 2014، وبدأ العمل به من هذا التاريخ وفقًا للمادة 247 من الدستور.
وبذلك يكون الدستور المصري الحالي قد وُضع وأُقر بطريق ديمقراطي، إذ أُعد مشروعه بواسطة لجنة فنية ثم عُرض على الشعب في استفتاء عبّر عن موافقته عليه.