د.أسامة عزيز كيرلس يكتب | حين تطرد المؤسسات النجاح
في كثير من المؤسسات، لا تكون المشكلة في نقص الموارد أو ضعف الكفاءات، بل في غياب النظام. هناك، حيث تختلط الصلاحيات، وتتداخل الاختصاصات، وتضيع المسؤوليات، تولد “الفوضى الإدارية”؛ ذلك الخلل الصامت الذي ينهك بيئة العمل ويقوض أي فرصة حقيقية للتطور. هذا النوع من الفوضى لا يظهر فجأة، بل يتسلل تدريجيًا مع غياب التخطيط، وضعف القيادة، وانعدام الرؤية الواضحة، حتى تصبح بيئة العمل طاردة للإبداع، ومحبطة لأصحاب الكفاءات.في علم الإدارة، تُعد وضوح الأهداف وتحديد الأدوار من الركائز الأساسية لأي نجاح مؤسسي. لكن في المؤسسات التي تعاني من هذا الخلل، يغيب هذا الوضوح، ويتحول العمل إلى حالة من العشوائية، حيث يتلقى الموظف أحيانًا تعليمات متضاربة من أكثر من مسؤول، فيجد نفسه بين سرعة مطلوبة من مدير، ودقة مفرطة يفرضها آخر، فتكون النتيجة ارتباكًا وتأخيرًا وشعورًا دائمًا بعدم الاستقرار.وتتجلى الفوضى الإدارية أيضًا حين يتم إسناد المهام لغير أهلها، لا بناءً على الكفاءة، بل بدافع المجاملة أو العلاقات الشخصية، فتتراكم الأخطاء، وتتراجع جودة الأداء، وتفقد المؤسسة ثقة عملائها. وفي صور أخرى، قد يضطر المواطن إلى التنقل بين عدة مكاتب لإنهاء إجراء بسيط، بسبب غياب التنسيق بين الإدارات، فتحوّل البيروقراطية من وسيلة تنظيم إلى عبء يومي.هذه المظاهر لم تغب عن أعين رواد الفكر الإداري؛ فقد أشار فريدريك تايلور إلى أهمية النظام بقوله: “في الماضي كان الإنسان أولًا، أما في المستقبل فالنظام أولًا”، مؤكدًا أن العمل لا يمكن أن يستقيم دون قواعد واضحة. كما شدد هنري فايول على أن “النظام الجيد أساس كل إدارة ناجحة”، وهو ما يعكس أهمية وضوح السلطة والتسلسل الإداري. أما بيتر دراكر، فقد عبّر بعمق عن خطورة العشوائية بقوله: “لا يوجد شيء أكثر خطورة من أن تنفذ بكفاءة ما لا ينبغي تنفيذه أصلًا”، في إشارة إلى أن الخطأ في التوجيه قد يكون أخطر من ضعف التنفيذ.ولا تقف آثار الفوضى الإدارية عند حدود الأداء فقط، بل تمتد لتضرب روح المؤسسة من الداخل؛ حيث تنخفض الإنتاجية، وتزداد الأخطاء، وتتآكل الثقة بين الإدارة والعاملين، وتبدأ الكفاءات الحقيقية في البحث عن بيئة أكثر استقرارًا وتقديرًا. ومع غياب العدالة في التقييم وانتشار المجاملات، يتحول العمل من مساحة للإبداع إلى مجرد التزام روتيني خالٍ من الحماس والانتماء.إن مواجهة هذا الخلل لا تحتاج فقط إلى لوائح مكتوبة، بل إلى إرادة حقيقية للإصلاح، تبدأ من قيادة واعية تدرك أن الإدارة ليست سلطة بقدر ما هي مسؤولية. قيادة تضع أهدافًا واضحة، وتحدد الأدوار بدقة، وتُحسن توزيع المهام، وتطبق القواعد بعدالة، وتفتح قنوات تواصل فعالة مع العاملين. فالمؤسسات الناجحة لا تُبنى بالصدفة، بل تُدار بعلم، وتُقاس بالكفاءة، وتُحافظ على استقرارها من خلال نظام واضح لا يترك مجالًا للعشوائية.في النهاية، تبقى الحقيقة أن الفوضى الإدارية ليست مجرد مشكلة عابرة، بل خطر حقيقي يهدد بقاء المؤسسات واستمرارها. وبين إدارة تصنع النظام، وأخرى تترك الأمور تسير بلا ضابط، يتحدد مصير النجاح أو الفشل. فحين يغيب النظام، تضيع الجهود، وحين تحضر الإدارة الواعية، يبدأ طريق النجاح.