مؤمن سليم يكتب | صناعة التشريعات وقياس الأثر

0

شهد علم صناعة التشريعات تطوراً كبيراً بتطور النظم السياسية والمجتمعات، لينتقل من مجرد أوامر سيادية إلى هندسة اجتماعية وقانونية، وانقسمت طرق الصياغة إلى عدد من المدارس الفنية لكل منها فلسفة خاصة ومنهجية في كتابة النص، ويبقي الفارق الرئيسي بينهم هو مدى فاعلية النص القانوني وتحقيق الغرض منه، أو ما هي معايير تقييم أو قياس جودة التشريع؟ وهو ليس بالسؤال الصعب، فجودة التشريع تُقاس وفق ثلاثة معايير وهي شمولية النص، وسهولة فهمه، وسهولة تطبيقه أو استخدامه. حيث تُعرف التشريعات الجيدة بأنها تلك التي لا تأتي مبتورة، أو غير واضحة، بل تكون مؤدية للهدف منها، ومعبرة عن الواقع الإجتماعي. لهذا فإن الصياغة الجيدة تميل إلى الإستقرار، أما الصياغة الرديئة فلا تتسم بهذا الإستقرار.
لذلك فإن عملية إعداد مشروع القانون يجب أن تشتمل على كافة العناصر اللازمة لتطبيقه وتحقيق الهدف منه، بدءً من مواد الإصدار، والتعريفات والأحكام العامة، والجهة المنوط بها تطبيقه، والألتزامات، ومصادر التمويل، واَلية تسوية المنازعات الناشئة عن تطبيقه، بالإضافة إلى ضرورة أن تكون ألفاظ مشروع القانون وعباراته وتراكيبه واضحة ومفهومة للمواطن العادي، المعني بالإمتثال له، فعلى الرغم من أن القوانين هي صناعة قانونية بحته، يصوغها ويفسرها ويفصل في منازعاتها رجال القانون، إلا أنها تُخاطب وتُلزم غير القانونيين. وأخيراً اَليات وإمكانية تطبيقه، والذي يفرض على الصائغ عند إعداد مشروع القانون ترتيبه وتبويبه بشكل سهل، وعدم تضمينه إحالات كثيرة أو تعدد لجهات تنفيذه، بما يعوق استخدامه وتطبيق أحكامه.
وإلى جانب تلك المعايير فهناك اللبنة الأساسية للتشريع وهي فلسفة التشريع والهدف منه، ومدى الحاجة للتدخل التشريعي، فليس كافة الأمور يمكن معالجتها أو تنظيمها من خلال القوانين، وليس أيضاً كافة الأمور تحتاج إلى صياغة تشريع جديد، إذا كان يمكن تنظيمها عبر إدخال بعض التعديلات على القوانين السارية، بما لا يخل بوحدة القوانين ويمنع تعدد وتضارب التشريعات.
وبالنظر إلى التشريعات المصرية والتي تُعد من أكبر الترسانات التشريعية على مستوى العالم والتي تمتد إلى أكثر من قرن ونصف تقريباً، منذ بداية التدوين التشريعي الحديث عام 1837، و تُقدر بنحو 200 ألف وثيقة قانونية، من بينها 50 ألف قانون وقرار وزاري تقريباً، كما يبلغ المعدل السنوي لإصدار التشريعات من مجلس النواب بين 150 إلى 200 قانون، بين تعديلات تشريعية، وقوانين الميزانية والحسابات الختامية، واتفاقيات دولية وتشريعات جديدة، والتي بالطبع شهدت تطوراً في صناعة التشريع، إلا أن هذا التطور لم يكن على النحو المرجو منه، فقد شهدت التشريعات المصرية خلال الثلاثون عاماً الأخيرة، تدهور واضح في صناعة التشريعات قياساً على معايير جودة التشريع التي أوضحناها، إلى جانب عدد من المساوئ التشريعية والتي تمثلت في (حشو) مواد القانون بنصوص لا علاقة لها به، أو عدم وضوح المذكرة الإيضاحية وغياب فلسفة القانون، أو التراخي في مراجعة مواد الدستور والقوانين المتعلقة بالقانون، مما عرض الكثير من القوانين خلال تلك الفترة إلى صدور أحكام بعدم دستوريتها، أو التوسع في الإحالة إلى اللائحة التنفيذية والتي كانت احد أهم توجيهات محكمة النقض والتي طالبت المشرع في أحد أحكامها، بالتوقف عن (تفويض السلطة التشريعية) من خلال التوسع في الإحالة إلى اللائحة التنفيذية.
كما أن هذا التضخم التشريعي، والتوسع في التدخل التشريعي (الغير لازم) في الكثير من الأحيان، لا ينعكس بشكل جيد على القوانين اللاحقة أو المجتمع، فكما يقول الفيلسوف جان جاك روسو “القوانين الجيدة تؤدي لخلق قوانين أفضل، والقوانين السيئة تؤدي إلى قوانين أسوأ” ونُضيف أن القوانين السيئة تؤدي إلى مجتمع أسوأ، فالهدف الرئيسي لأى قانون هو الأرتقاء بالمجتمع وتنظيم أموره على النحو الذي يضيف إلى الأفراد ولا ينتقص منهم أو يعرقل أمورهم اليومية.
وأخيراً فأن معيار الحكم على الحكومات والبرلمانات المختلفة، هو مدى تحقيق سياساتها نحو تنمية وتطورالمجتمع، وفي القلب منها أداة تحقيق تلك السياسات وهي التشريعات، فيجب بذل مزيد من الحرص عند إعداد التشريعات والتأكد من استيفاءها لمعايير جودة التشريع، ويجب أن تعمل الحكومة على إنشاء وحدة لقياس الأثر التشريعي (قبل) وليس بعد إصدار التشريع أو القرار الوزاري، كما يجب على مجلس النواب التوسع في عقد الحوارات المجتمعية والأستماع لكافة الأطراف والخبراء، والتأكد من جودة التشريع قبل إقرار القوانين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.