د. إسلام علي شاهين يكتب | الدبلوماسية المصرية والقوة الناعمة
يقف التاريخ شاهداً على عراقة المؤسسة الدبلوماسية المصرية، التي تحتفي اليوم بمرور مائتي عام على بدايتها، لتروي قصة أمة أدركت مبكراً أن صياغة التاريخ لا تقتصر على الانتصارات العسكرية أو المعاهدات السياسية فحسب، بل تمتد لتشمل الحضور الطاغي في الوجدان الإنساني. إن قرنين من الزمان يمثلان مسيرة حافلة، بدأت ملامحها المؤسسية تتشكل في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتطورت عبر عقود من النضال الوطني والتفاعلات الإقليمية والدولية، لتصبح دبلوماسية مصر مدرسة عريقة في الحفاظ على المصالح الوطنية، وإرساء دعائم الاستقرار، والدفاع عن قضايا الأمة العربية والقارة الأفريقية. غير أن التحليل العميق لمسار هذه الدبلوماسية العتيدة يكشف عن بعدٍ آخر أكثر مرونة وتأثيراً، وهو براعة العقل الاستراتيجي المصري في توظيف “الدبلوماسية الموازية” أو ما يُعرف بالقوة الناعمة، كرافد أساسي يدعم العمل الدبلوماسي الرسمي ويوسع من دوائر التأثير المصري في العالم.
في عصر تتشابك فيه المصالح وتتجاوز فيه التحديات حدود الجغرافيا التقليدية، أثبتت الدولة المصرية أن السفراء الحقيقيين لا يرتدون بالضرورة البدل الرسمية، ولا يجلسون دائماً خلف طاولات المفاوضات. لقد تجلت عبقرية الدبلوماسية المصرية في استثمارها الأمثل للفن، والثقافة، والرياضة، والحركات الشبابية والتطوعية، لتصنع نسيجاً متكاملاً من العلاقات الإنسانية العابرة للقارات. فالثقافة والفن المصريان، عبر السينما، والأدب، والموسيقى، كانا دوماً جواز السفر الأسرع وصولاً إلى قلوب الشعوب، رسخا مكانة مصر كعاصمة للإشعاع الحضاري، وجعلا من اللهجة المصرية لغة مشتركة تفهمها الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، مما خلق ظهيراً شعبياً إقليمياً يدعم المواقف السياسية الرسمية بتلقائية مطلقة.
ولم تكن الرياضة، بعيدة عن هذا المشهد الدبلوماسي العبقري. فقد تحولت الملاعب الرياضية إلى منصات للدبلوماسية الناعمة، حيث يمثل الأبطال المصريون في المحافل الدولية، سواء في الألعاب الفردية أو الجماعية، قوة تأثير هائلة تصحح المفاهيم، وتنقل صورة مصر الحديثة المفعمة بالحيوية والطموح. إن تألق الكفاءات المصرية في الدوريات الرياضية العالمية أصبح بمثابة جسر تواصل إنساني، يزيل الحواجز الثقافية ويخلق حالة من التعاطف والاحترام المتبادل، وهو ما تستثمره الدبلوماسية الرسمية بذكاء لتعزيز الشراكات وتوطيد أواصر الصداقة مع دول العالم.
وفي سياق هذه الدبلوماسية الشعبية، يبرز دور الحركات التطوعية والشبابية كقوة لا يستهان بها في بناء الثقة والتفاهم المتبادل. وتأتي الحركة الكشفية، كنموذج رائد في هذا المجال، حيث تمثل الكشافة حركة عالمية كبرى تتجاوز حدود الدول لتجمع الشباب تحت مظلة المبادئ الإنسانية والأخلاقية المشتركة في وعدها وقونها برغم اختلاف الدول والعرقيات والمعتقدات. لقد أسهمت الكشافة المصرية، من خلال مشاركاتها الفعالة في المخيمات واللقاءات الدولية وكذلك تنظيم مصر لها كتنظيم المؤتمر الكشفي العالمي الثالث والاربعون في ديسمبر2024 والذي اشاد به جميع المشاركين، في تقديم نموذج لمصر وعظمتها وقدرتها وشاباب مصر المنفتح، القادر على دمج التنوع واحترام الاختلاف، والساعي دائماً لتمهيد مسار للسلام والتعايش المجتمعي. إن تبادل الخبرات الكشفية وتوطيد أواصر الأخوة بين شباب مصر وشباب العالم يمثل استثماراً استراتيجياً في قادة المستقبل، ويخلق شبكة من السفراء الشعبيين الذين يحملون رسالة مصر الحضارية إلى كل بقعة من بقاع الأرض.
تتوازى هذه الجهود مع نجاح مصر اللافت في توظيف الدبلوماسية الشبابية والاقتصادية من خلال تنظيم واستضافة المؤتمرات العالمية الكبرى. إن المنتديات الشبابية التي رعتها الدولة، والقمم الاقتصادية، ومؤتمرات المناخ، لم تكن مجرد أحداث تنظيمية ناجحة، بل كانت أدوات دبلوماسية رفيعة المستوى لتقديم الدولة المصرية بثوبها العصري. هذه الفعاليات حولت مدينة مثل شرم الشيخ إلى عاصمة عالمية للحوار، حيث تلتقي الأفكار وتُصاغ المبادرات، مما يؤكد قدرة مصر على حشد الرأي العام العالمي والتأثير في الأجندة الدولية.
يتكامل هذا كله مع دبلوماسية السياحة، التي لا تعتبر فقط مصدراً حيوياً للدخل القومي، بل هي في جوهرها أداة حوار حضاري متبادل. كل زائر يطأ أرض مصر، سواء للتمتع بآثارها الخالدة أو شواطئها الساحرة، يعود إلى وطنه حاملاً سردية جديدة عن الأمن، والترحيب، والتطور المستمر الذي تشهده البلاد في بنيتها التحتية ومشروعاتها القومية.
إن الاحتفاء بمرور مائتي عام على تأسيس الدبلوماسية المصرية ليس مجرد استحضار لتاريخ مجيد، بل هو تأكيد على حيوية هذه المؤسسة وقدرتها الفائقة على التجدد ومواكبة روح العصر. لقد نجحت مصر بامتياز في صياغة معادلة دبلوماسية فريدة، تزاوج بين الحزم في الدفاع عن الثوابت الوطنية وحماية الأمن القومي، وبين المرونة والذكاء في استخدام مفردات القوة الناعمة. هذه الشمولية في الأداء الدبلوماسي، والتي توظف طاقات الشباب، وإبداع الفنانين، ومبادرات المتطوعين، وإنجازات الرياضيين، هي ما يضمن لمصر بقاءها دوماً في قلب المعادلة الدولية، دولةً صانعة للسلام، ومحوراً للتنمية، ومنارة للحضارة الإنسانية.