دينا عامر تكتب | اغتيال العدالة

0

خلف القضبان حيث تسلب الحرية يظل الأمل في العدالة هو القيد الأخير الذي يربط الأسير بالحياة وبالقانون الدوليلكن حين يقرر الكنيست الإسرائيلي إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين فإن المعركة لم تعد مجرد صراع سياسي على الأرض بل تحولت إلى مواجهة وجودية بين منطق شريعة الغاب ومنطق سيادة القانونإننا لا نتحدث هنا عن عقوبة جنائية تقليدية بل عن تشريع للانتقام يغتال روح العدالة قبل أن يغتال أجساد الأسرى في سابقة خطيرة تهدد أسس النظام القانوني الدوليمن الناحية القانونية الصرفة تفقد القاعدة التشريعية شرعيتها الأخلاقية والقانونية إذا تجردت من شرطي العمومية والتجريدإن هذا القانون لا يستهدف الجريمة بمفهومها الكوني الشامل بل يستهدف الهوية والانتماء لفئة محددة وهو ما يجعله نموذجا صارخا للعنصرية التشريعية وتجسيدا لنظام الفصل العنصري  الذي يدينه المجتمع الدوليكيف يمكن للمجتمع الدولي أن يقبل بصياغة قوانين استثنائية تفصل على قياس فئة بعينها ضاربة عرض الحائط باتفاقيات جنيف الأربع التي كفلت للأسرى حماية مطلقة وضمانات لمحاكمات عادلة لا يجوز المساس بها تحت أي ظرف من الظروف حتى في أوقات النزاع المسلح؟ إن تجاهل هذه المواثيق الدولية يمثل انتهاكا جسيما لمبادئ القانون الإنساني الدولي ويقوض الثقة في المنظومة القانونية العالميةإن البعد الإنساني في هذه القضية لا ينفصل عن مسارها القانوني فالأسير ليس مجرد رقم في زنزانة بل هو كائن بشري تحميه القواعد الآمرة في القانون الدولي الإنساني والتي لا يجوز للدول الانحراف عنها وعندما أدانت الدولة المصرية هذا القانون في بيانها الرسمي الأخير لم يكن موقفها نابعا فقط من التزامها القومي والتاريخي تجاه القضية الفلسطينية بل كان صرخة مدوية في وجه الانهيار الأخلاقي الذي يهدد المنظومة الدولية برمتهامصر بوعيها التاريخي العميق تدرك أن قوننة الموت هي اعتراف رسمي بالعجز عن تحقيق الأمن والاستقرار عبر السبل القانونية والإنسانيةفالدول التي تلجأ إلى المشانق بدلا من المواثيق الدولية هي دول تخشى المستقبل وتتخلى عن مبادئ العدالة التي هي أساس أي مجتمع متحضرإن الصمت الدولي أمام تحويل القضاء إلى مقصلة سياسية هو شرعنة للفوضى وتكريس لثقافة الإفلات من العقابالعدالة الحقيقية لا تبنى على أحكام انتقامية والأمن المستدام لا يتحقق عبر سلب الحق في الحياة بدم بارد وتحت غطاء برلماني زائف يفتقر إلى الشرعية الأخلاقية والقانونيةإن رسالتنا اليوم واضحة: القانون الدولي ليس وجهة نظر تخضع لمزاج المشرع الإسرائيلي أو أي مشرع آخر بل هو العقد الاجتماعي الذي يحمي البشرية من السقوط في هاوية التوحش والهمجيةإنه الإطار الذي يضمن حقوق الأفراد ويحفظ كرامتهم ويضع حدودا لسلطة الدولإن الدفاع عن حقوق الأسرى هو دفاع عن إنسانيتنا أولا وعن قدسية القانون ثانياوسيظل الموقف المصري حائط الصد المنيع الذي يذكر العالم بأن القوة لا تمنح الحق وأن التشريعات الجائرة هي والعدم سواء أمام محكمة التاريخ وضمير الإنسانيةإن التمسك بالمبادئ القانونية والإنسانية هو السبيل الوحيد لبناء عالم أكثر عدلا واستقرارا عالم يحترم فيه الجميع كرامة الإنسان وحقه في الحياة والعدالة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.