د. جمال السعيد يكتب | بين الموهبة والانضباط

0

عندما تحدث محمد صلاح عن رحلته الطويلة، لم يتحدث عن الأهداف التي سجلها، ولا عن البطولات التي حققها، ولا عن الأموال التي حصل عليها. اختار أن يتحدث عن شيء آخر أكثر عمقًا، حين قال: “ضحيت بشبابي”.
هذه الجملة البسيطة أثارت جدلًا واسعًا، واعتبرها البعض مبالغة من لاعب حقق الشهرة والنجاح والثروة. لكن الحقيقة أن كثيرين ينظرون إلى النجاح من نهايته، ولا يرون الطريق الذي سبق الوصول إليه.

ما قصده محمد صلاح لم يكن أنه حُرم من الحياة، بل إنه اختار طريقًا مختلفًا عن غيره. ففي الوقت الذي كان البعض يقضي سنوات شبابه في اللهو أو إهدار الوقت أو حتى الوقوع في سلوكيات تنتهي بصاحبها إلى الندم، كان هو يقضي ساعات طويلة في التدريب، ويكرر التمرين مرتين وثلاث مرات يوميًا، ويخضع لنظام صارم من الانضباط والالتزام، ويؤجل كثيرًا من متع الحياة من أجل هدف آمن به. وهنا تكمن الرسالة الحقيقية.

فالموهبة وحدها لا تصنع النجاح. كم من أصحاب المواهب الاستثنائية اختفوا من المشهد لأنهم لم يمتلكوا الانضباط الكافي للحفاظ على موهبتهم؟ وكم من رياضيين وفنانين ومبدعين بدأت قصصهم واعدة ثم انتهت مبكرًا بسبب سوء الاختيارات أو الاستسلام للراحة أو الانجراف وراء عادات أهدرت قدراتهم؟
الفرق بين من يحقق الإنجاز ومن يكتفي بالحلم به ليس الموهبة غالبًا، وإنما القدرة على الالتزام والصبر والاستمرار عندما تصبح الطريق شاقة ومملة وطويلة.

وهذا لا ينطبق على الأفراد فقط، بل على الأمم أيضًا. فالدول لا تتقدم بالشعارات، ولا بالرغبات الطيبة وحدها، وإنما بثقافة تؤمن بقيمة العمل والإنتاج والإتقان. فكل نهضة حقيقية في التاريخ كانت نتيجة ملايين الساعات من الجهد والتعلم والانضباط.
إن المجتمعات التي تكرم العمل وتحترم الاجتهاد وتحتفي بالإنجاز هي المجتمعات القادرة على صناعة المستقبل. أما المجتمعات التي تبحث دائمًا عن الطرق المختصرة، أو تستهين بقيمة الجهد، فإنها تظل أسيرة أحلام لا تتحول إلى واقع.
لذلك فإن قصة محمد صلاح ليست قصة لاعب كرة قدم فقط، بل قصة فكرة. فكرة تقول إن النجاح ليس هدية يمنحها القدر لبعض الناس، بل ثمن يدفعه من يملك الشجاعة الكافية للتضحية والصبر والاستمرار.
ولعل أجمل ما قاله “صلاح” في حديثه أنه يتمنى أن يأتي من يحقق أكثر مما حققه هو.. فالأمم الحية لا تكتفي بصناعة نموذج ناجح واحد، وإنما تجعل من كل قصة نجاح مصدر إلهام لعشرات ومئات القصص الجديدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.