محمد سامح حسونة يكتب | 23 يوليو ..ثورة غيّرت التاريخ
في تاريخ الأمم محطات لا تُقاس بسنواتها، بل بما أحدثته من تحولات في مسيرة الشعوب. وتُعد ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 واحدة من أبرز هذه المحطات في التاريخ المصري الحديث، إذ لم تكن مجرد حركة عسكرية قادها تنظيم الضباط الأحرار، وإنما كانت نقطة تحول أنهت النظام الملكي، ومهدت الطريق لإعلان الجمهورية، وإعادة صياغة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر.جاءت الثورة في وقت كانت فيه مصر تواجه تحديات كبيرة، تمثلت في استمرار النفوذ البريطاني، واتساع الفجوة الاجتماعية، وتركز ملكية الأراضي الزراعية في أيدي فئة محدودة، إلى جانب حالة من عدم الاستقرار السياسي. وفي ليلة 23 يوليو، تحرك الضباط الأحرار بقيادة اللواء محمد نجيب، وكان من أبرز أعضائهم جمال عبد الناصر، لتبدأ مرحلة جديدة انتهت برحيل الملك فاروق وإعلان الجمهورية في يونيو 1953، إيذانًا ببدء عهد سياسي مختلف في تاريخ الدولة المصرية.لم تقتصر آثار الثورة على تغيير نظام الحكم، بل امتدت إلى إحداث إصلاحات اقتصادية واجتماعية واسعة. فقد صدر قانون الإصلاح الزراعي، الذي وضع حدًا لاحتكار الأراضي الزراعية، وأعاد توزيعها على صغار الفلاحين، بما أسهم في تحسين أوضاع آلاف الأسر الريفية. كما شهدت تلك المرحلة توسعًا في مجانية التعليم، وإتاحة فرص أكبر للالتحاق بالجامعات، إلى جانب الاهتمام بالصناعة الوطنية وإنشاء العديد من المصانع الكبرى، في محاولة لبناء اقتصاد أكثر استقلالًا.وعلى المستوى القومي، مثلت الثورة نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من تعزيز السيادة الوطنية، كان أبرز تجلياتها تأميم قناة السويس عام 1956، وهو القرار الذي أكد قدرة الدولة المصرية على إدارة مواردها الاستراتيجية رغم التحديات الدولية. كما ارتبطت الثورة بمشروعات قومية كبرى، في مقدمتها بناء السد العالي، الذي وفر الحماية من أخطار الفيضانات والجفاف، وأسهم في زيادة الرقعة الزراعية، وإنتاج الطاقة الكهربائية، ودعم خطط التنمية لعقود طويلة.ولم يقتصر تأثير ثورة يوليو على الداخل المصري، بل امتد إلى محيطها العربي والإفريقي، حيث أصبحت مصدر إلهام لحركات التحرر الوطني في مواجهة الاستعمار. وأسهمت مصر خلال تلك المرحلة في دعم العديد من حركات الاستقلال في القارة الإفريقية والعالم العربي، ما عزز مكانتها الإقليمية والدولية.وبعد مرور 74 عامًا على الثورة، لا تزال ذكراها تحمل دلالات وطنية عميقة، ليس باعتبارها حدثًا تاريخيًا فحسب، بل باعتبارها محطة أساسية في مسيرة بناء الدولة المصرية الحديثة. ففي كل عام، تحيي مصر هذه المناسبة بوصفها عيدًا وطنيًا، وتُعد 23 يوليو إجازة رسمية مدفوعة الأجر، تخليدًا لواحدة من أهم محطات تاريخها الحديث.لقد اختلفت التحديات التي واجهتها مصر عام 1952 عن تلك التي تواجهها اليوم، إلا أن الدرس الأبرز الذي تتركه ثورة يوليو يظل حاضرًا؛ وهو أن قوة الدول لا تُبنى فقط بقدراتها العسكرية أو الاقتصادية، بل بإرادة شعوبها، ووحدة صفها، وقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص للنهضة. ولهذا تبقى ثورة 23 يوليو علامة فارقة في الوعي الوطني، ورمزًا لمرحلة أسهمت في تشكيل ملامح الدولة المصرية الحديثة، ورسخت قيم الاستقلال والسيادة والسعي إلى التنمية.