د. سعيد مطر يكتب | مشروعات التخرج بالجامعات

0

تُعد مشروعات التخرج في كليات الجامعات المصرية، خاصة في كليات الإعلام، حجر الزاوية في تقييم قدرات الطلاب العملية ومدى استيعابهم للمعارف والمهارات التي اكتسبوها خلال سنوات الدراسة. غير أن هذه المشروعات، التي يفترض أن تكون منصة للإبداع والتطبيق، أصبحت في بعض الحالات محل جدل واسع بسبب ما يشوبها من ممارسات تثير تساؤلات قانونية وأخلاقية وتربوية عميقة.ففي السنوات الأخيرة، برزت شكاوى متكررة من طلاب تشير إلى وجود تجاوزات داخل بعض الأقسام الأكاديمية، تتعلق بآليات تقييم مشروعات التخرج، وتحولها من معيار أكاديمي موضوعي إلى أداة قد تُستغل في فرض ضغوط غير مبررة على الطلاب. هذه التجاوزات لا تقف عند حدود سوء التقدير، بل تمتد أحيانًا إلى ممارسات تحمل شبهات مالية وإدارية تستوجب الوقوف أمامها بجدية.ومن أخطر هذه الممارسات ما يُثار حول قيام بعض أعضاء هيئة التدريس بمساومة الطلاب ماديًا، بشكل مباشر أو غير مباشر، مقابل تسهيل النجاح أو منح درجات مرتفعة. هذا السلوك، إن ثبت، لا يُعد فقط إخلالًا بالقيم الجامعية، بل يمثل انتهاكًا صريحًا للقوانين المنظمة للعمل الأكاديمي، ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.ولا يقتصر الأمر على الجانب المالي، بل يمتد إلى استخدام غير مشروع للسلطة الأكاديمية، حيث يتم أحيانًا توظيف أساليب الترهيب والضغط النفسي لإجبار الطلاب على الانصياع لمتطلبات غير مبررة. هذا النمط من التعامل يُنتج بيئة تعليمية قائمة على الخوف بدلًا من التحفيز، ويؤثر سلبًا على الصحة النفسية للطلاب وثقتهم في المؤسسة التعليمية.وتتضاعف خطورة هذه الظاهرة عند النظر إلى تأثيرها على الطلاب ذوي الظروف الاقتصادية المحدودة، الذين يجدون أنفسهم أمام خيارات قاسية بين الاستجابة لضغوط مادية تفوق قدراتهم، أو المخاطرة بمستقبلهم الأكاديمي. وهنا يتحول التعليم من حق أساسي إلى عبء نفسي واجتماعي يهدد استقرار الطالب.أما على المستوى الإبداعي، فإن هذه الممارسات تُفرغ مشروعات التخرج من مضمونها الحقيقي، حيث يتحول الهدف من إنتاج عمل مبتكر إلى مجرد اجتياز المرحلة بأقل خسائر ممكنة. وهذا ينعكس بشكل مباشر على جودة الخريجين، خاصة في مجال الإعلام الذي يعتمد في جوهره على الإبداع والاستقلالية الفكرية.ومن الناحية القانونية، فإن هذه التجاوزات إن ثبتت – تستدعي تفعيل آليات الرقابة والمساءلة داخل الجامعات، سواء من خلال لجان مستقلة أو عبر الأجهزة الرقابية المختصة. فالقانون المصري يجرّم استغلال النفوذ والابتزاز، ويؤكد على ضرورة الحفاظ على نزاهة العملية التعليمية.كما أن الإصلاح التربوي يقتضي إعادة النظر في آليات تقييم مشروعات التخرج، بما يضمن الشفافية والعدالة، مثل تطبيق أنظمة تقييم جماعية، أو إشراك محكمين خارجيين، أو توثيق جميع مراحل المشروع بشكل رسمي يحد من أي تدخلات غير موضوعية.وعلى الصعيد النفسي، فإن توفير بيئة تعليمية آمنة وعادلة يسهم في تعزيز ثقة الطلاب بأنفسهم، ويشجعهم على الإبداع والمبادرة، بدلًا من الانخراط في دائرة القلق والخوف. فالتعليم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يشمل بناء الشخصية وتنمية الحس النقدي.في النهاية، تظل مشروعات التخرج مرآة حقيقية لمستوى المؤسسات التعليمية. وإذا ما أُحسن تنظيمها وضبطها، فإنها قادرة على تخريج كوادر مؤهلة وقادرة على المنافسة. أما إذا تُركت دون رقابة، فإنها قد تتحول إلى نقطة ضعف تقوض مصداقية العملية التعليمية بأكملها، وهو ما يستدعي تحركًا جادًا لإصلاح الخلل وضمان العدالة لكل طالب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.