د. سماح شوقي تكتب |  مصر والزلازل

0

تُعرَّف الزلازل بأنها ظاهرة طبيعية تنتج عن تحرر مفاجئ للطاقة المختزنة داخل الأرض، فتنتقل هذه الطاقة عبر موجات زلزالية تؤدي إلى اهتزاز سطح الأرض بدرجات متفاوتة؛ فقد تكون بسيطة لا يشعر بها الإنسان، وقد تكون عنيفة تُحدث خسائر في الأرواح والمنشآت.

أما هذا المقال، فيستعرض إسهامات الدولة المصرية خلال السنوات الماضية في الحد من مخاطر الزلازل، من خلال تطوير البنية التحتية وتعزيز جاهزية مؤسسات الدولة، كما يطرح عدداً من الرؤى والمقترحات المستقبلية من وجهة نظر الكاتبة، التي ترى أنها قد تسهم في تعزيز جاهزية مصر لمواجهة الزلازل والحد من آثارها المحتملة.

أولاً – إسهامات الدولة المصرية في الحد من مخاطر الزلازل:

تُعد الزلازل من الكوارث الطبيعية التي لا يمكن للبشر منعها، ولكن يمكنهم الحد من مخاطرها من خلال وضع خطط تتوافق مع طبيعة حدوثها. وهذا ما أدركته الدولة المصرية مبكراً، وسعت إليه في الآونة الأخيرة، لا سيما في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث اتخذت الدولة عدداً من الإجراءات والمشروعات التي أسهمت في رفع درجة الاستعداد لمثل هذه الكوارث، ومن أبرزها:

1-         القضاء على العشوائيات غير الآمنة

سعت الدولة المصرية جاهدةً إلى القضاء على المناطق العشوائية القديمة ذات المباني المتهالكة والطرق غير المستوية، من خلال تنفيذ مشروعات إسكانية حضارية، ونقل السكان إلى مناطق وأحياء جديدة آمنة، صُممت وفق أعلى المعايير الهندسية، بما يسهم في الحفاظ على أرواح المواطنين، والحد من انهيار المباني عند وقوع الزلازل.

ومن أبرز هذه المشروعات: حي الأسمرات، وروضة السيدة زينب، ومدينة المحروسة، ومشروع أهالينا (شرق القاهرة)، وبشاير الخير (الإسكندرية)، ومنطقة تل العقارب، ومدينة معاً، إلى جانب إنشاء وحدات سكنية لنقل سكان المناطق الخطرة.

2-         إنشاء مدن الجيل الرابع

أنشأت الدولة المصرية مدن الجيل الرابع، وهي مدن تعتمد على أحدث أساليب التخطيط العمراني، مع تصميم المباني وفق الأكواد الهندسية المعتمدة، وإنشاء بنية تحتية متطورة وشبكات حديثة للطرق والمرافق والخدمات. وقد أسهم ذلك في تعزيز قدرة هذه المدن على مواجهة المخاطر الطبيعية، ومن بينها الزلازل، مقارنة بالعديد من المناطق القديمة التي لم تُنشأ وفق هذه المعايير الحديثة.

3-         تطبيق أكواد البناء الحديثة

التزمت الدولة في المشروعات العمرانية الجديدة بتطبيق أحدث الأكواد والمعايير الهندسية، مع مراعاة اشتراطات مقاومة الزلازل في تصميم وتنفيذ المنشآت. وقد أسهم ذلك في تعزيز سلامة المباني، وزيادة قدرتها على تحمل الهزات الأرضية، والحد من احتمالات الانهيار، بما يقلل من حجم الخسائر البشرية والمادية عند وقوع الزلازل.

4-         تطوير شبكات الطرق والكباري والمحاور

أولت الدولة المصرية اهتمامًا كبيراً بتطوير شبكات الطرق والكباري والمحاور على مستوى الجمهورية، باعتبارها أحد أهم مقومات التنمية الاقتصادية. فقد أسهمت هذه المشروعات في تسهيل حركة التجارة الداخلية والخارجية، وربط المناطق الصناعية والزراعية بالموانئ والأسواق، بما يدعم حركة الإنتاج والتوزيع، ويعزز النشاط التجاري، ويسهم في دفع عجلة الاقتصاد المصري.

كما انعكس تطوير شبكة الطرق على تحسين الحركة المرورية اليومية للمواطنين، وتقليل زمن الانتقال بين المحافظات والمدن، بما يسهم في تحسين جودة الحياة.

ولا يقتصر دور هذه الشبكة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد أيضاً إلى إدارة الأزمات والكوارث، إذ تتيح سرعة وصول سيارات الإسعاف والحماية المدنية وفرق الإنقاذ إلى مواقع الحوادث والطوارئ، وتُسهل عمليات الإخلاء عند الضرورة، وهو ما يسهم في الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع الكوارث الطبيعية، ومنها الزلازل.

5-         إنشاء الشبكة الوطنية للطوارئ والسلامة العامة

أنشأت الدولة المصرية الشبكة الوطنية للطوارئ والسلامة العامة، بهدف ربط مختلف الجهات المعنية عبر منظومة موحدة لتبادل المعلومات والبيانات بصورة لحظية. وقد أسهمت هذه الشبكة في تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة، ورفع كفاءة إدارة الأزمات والكوارث، وسرعة اتخاذ القرارات المناسبة، بما يحد من آثار الطوارئ، ويعزز سرعة الاستجابة.

6-         رفع كفاءة منظومة الحماية المدنية والإسعاف

عملت الدولة المصرية على تطوير منظومة الحماية المدنية والإسعاف، من خلال دعمها بالمعدات الحديثة، وزيادة أعداد سيارات الإسعاف ومركبات الإنقاذ، وتوسيع نطاق انتشارها، بما يسهم في سرعة الوصول إلى مواقع الحوادث والأزمات، وتعزيز كفاءة عمليات الإنقاذ والإخلاء، والحد من الخسائر البشرية والمادية.

7-         تحديث منظومة الاتصالات وإدارة الأزمات

اهتمت الدولة المصرية بتطوير منظومة الاتصالات والتحول الرقمي، بما يسهم في سرعة تبادل المعلومات بين الجهات المختصة، وتحقيق التنسيق الفوري بينها أثناء الأزمات والكوارث. وقد انعكس ذلك على سرعة اتخاذ القرار، ورفع كفاءة إدارة الأزمات، وتحسين الاستجابة للمواقف الطارئة، بما يعزز قدرة الدولة على التعامل مع مختلف الكوارث، ومنها الزلازل.

ثانياً- رؤية مستقبلية لتعزيز جاهزية مصر في مواجهة الزلازل:

تتطلب مواجهة الكوارث الطبيعية تطويراً وتحديثاً مستمرين، في ظل المتغيرات البيئية والجيولوجية التي يشهدها العالم، وما تفرضه من تحديات تستدعي الاستعداد الدائم والتخطيط للمستقبل.

ومن وجهة نظري، أرى أهمية التوسع في استخدام أحدث التقنيات الهندسية في تصميم المباني المقاومة للزلازل، والاستفادة من تجارب الدول الرائدة في هذا المجال؛ مثل: اليابان، التي نجحت في تطبيق أنظمة إنشائية متطورة أسهمت في الحد من آثار الزلازل على الأرواح والمنشآت. كما أرى ضرورة التوسع في تطبيق هذه التقنيات، لا سيما في المناطق الأكثر تعرضاً للنشاط الزلزالي؛ مثل: منطقة خليج السويس وغيرها من المناطق التي تشهد نشاطاً زلزالياً نسبياً.

كما أقترح إطلاق برنامج وطني شامل لفحص المباني القديمة على مستوى محافظات الجمهورية، وتقييم حالتها الإنشائية بصورة دورية، مع ترميم المباني التي يمكن تأهيلها، وإزالة المباني الآيلة للسقوط التي تمثل خطراً على قاطنيها، مع توفير مساكن بديلة وآمنة للسكان عند الضرورة، ومراعاة البُعد الاجتماعي والجغرافي، بحيث يكون توفير السكن البديل في النطاق الجغرافي نفسه، قدر الإمكان، حفاظاً على الاستقرار الاجتماعي للأسر.

ولا يقل الوعي المجتمعي أهمية عن تطوير البنية التحتية؛ لذلك أقترح تنفيذ برنامج وطني للتدريب العملي الدوري داخل المدارس والجامعات والهيئات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص، لتدريب الطلاب والعاملين وجميع فئات المجتمع على إجراءات الإخلاء والتصرف الصحيح أثناء وقوع الزلازل، بما يحول المعرفة النظرية إلى سلوك عملي يسهم في الحد من الخسائر.

كما أرى ضرورة إطلاق حملات توعية مستمرة عبر مختلف وسائل الإعلام، بمشاركة وزارة التضامن الاجتماعي، والهلال الأحمر المصري، والحماية المدنية، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالي، ووزارة الثقافة، ووزارة الصحة، وغيرها من الجهات المعنية، بهدف نشر ثقافة الوقاية، وتعزيز وعي المواطنين بكيفية التعامل مع الزلازل قبل وقوعها وأثناءها وبعدها.

وأرى كذلك أهمية التوسع في دعم شبكات الرصد الزلزالي، وزيادة الاستثمار في الأبحاث العلمية والتكنولوجيا الحديثة، وتعزيز قدرات الكوادر الوطنية المتخصصة في علوم الزلازل، بما يسهم في تطوير منظومة الرصد والتحليل والمتابعة على مدار الساعة، ودعم عمل الجهات العلمية المختصة، وفي مقدمتها المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، بما يعزز قدرة الدولة على متابعة النشاط الزلزالي، واتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب.

وختاماً؛ فطنت الدولة المصرية مبكراً إلى أهمية ملف الزلازل، وعدّته جزءاً من منظومة الأمن القومي المصري، ولا سيما الأمن القومي الداخلي؛ ولذلك بذلت جهوداً كبيرة للحفاظ على حياة آمنة ومستقرة للمواطن المصري، وذلك بفضل القيادة السياسية للرئيس عبد الفتاح السيسي، التي أولت هذا الملف اهتمامًا واضحًا خلال السنوات الماضية.

وقد بدت ملامح هذه الجهود في الزلزال الأخير الذي وقع في الثالث من أغسطس الماضي لهذا العام، إذ كانت قوته متقاربة مع قوة زلزال عام 1992، ومع ذلك كانت الخسائر البشرية والمادية محدودة للغاية، وهو ما يعكس أثر ما اتخذته الدولة من إجراءات استباقية، وما نفذته من مشروعات أسهمت في رفع درجة الجاهزية والحد من المخاطر.

كما تضمن هذا المقال عددًا من المقترحات التي أراها قد تسهم في تعزيز جاهزية الدولة المصرية، وزيادة قدرتها على مواجهة الزلازل والحد من آثارها مستقبلاً.

ونسأل الله أن يحفظ مصر من كل سوء وضرر، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يجعلها دائماً آمنةً مطمئنةً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.