د. كريم محمد المرشدي يكتب | مصر والبريكس
مصر والبريكس: أعتاب نظام اقتصادي جديد وبوابة لتمكين الشباب
تُشكل الخطوة الاستراتيجية التاريخية المتمثلة في انضمام جمهورية مصر العربية رسمياً إلى تكتل “بريكس” تحولاً
جوهرياً في مسار السياسة الخارجية والاقتصادية المصرية؛ إذ تتجاوز كونها مجرد انضمام لتحالف اقتصادي دولي،
لتغدو تعبيراً حقيقياً عن صياغة واقع جيو-اقتصادي متوازن، يؤسس لعالم متعدد الأقطاب ويفتح أفقاً واعداً أمام الرؤية
الوطنية للتنمية المستدامة.
تكمن أهمية هذه العضوية في توقيتها الدقيق؛ حيث يستهدف الاقتصاد المصري إعادة هيكلة أدواته وتخفيف الضغوط
المباشرة على العملات الأجنبية. ويمنح التكتل مصر فرصة استثنائية لتعزيز المعاملات التجارية بالعملات المحلية مع
دول التحالف، مما يسهم بشكل مباشر في دعم قيمة الجنيه المباشرة، وتقليل فاتورة الاستيراد بالدولار، إلى جانب
تسهيل تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر للاقتصاد الوطني.
على المستوى التنموي، يُشكل بنك التنمية الجديد (NDB) التابع للتكتل شرياناً تمويلياً ببدائل مرنة وبشروط ميسرة
لدعم خطط التنمية والتطوير؛ لا سيما في مجالات البنية التحتية، والنقل، والطاقة المتجددة، وهو ما ينسجم تماماً مع
مستهدفات “رؤية مصر 2030”. كما أن النفوذ الجغرافي والموقعي لمصر—بوصفها بوابة أفريقيا والشرق الأوسط
عبر محور قناة السويس—يجعل منها حلقة وصل لوجستية واستثمارية لا غنى عنها لجميع أطراف التكتل.
ولا يقتصر هذا المكسب على مؤشرات الأرقام والتجارة المتبادلة فقط، بل يمتد ليشمل الرصيد السياسي والميداني. إذ
تعزز العضوية من ثقل مصر السياسي كصوت يعبر عن تطلعات دول الجنوب العالمي، الداعية لمراجعة هياكل
الحوكمة المالية والنقدية الدولية الحالية نحو نظام أكثر عدالة وشفافية.
وهنا يأتي الدور المحوري للشباب والكوادر السياسية؛ حيث تقع على عاتق “تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين”
مسؤولية تقديم القراءة التحليلية والرؤى السياساتية الشاملة لكيفية تحويل هذه المزايا النظرية إلى فرص واقعية
ومجالات عمل ملموسة. إن الاستثمار في هذه العضوية يستوجب بناء كوادر شبابية متخصصة في الدبلوماسية
الاقتصادية، وإعداد أوراق عمل تُسهم في دعم صناع القرار، والترويج للفرص الواعدة التي تتيحها الأسواق الجديدة
أمام رواد الأعمال والشركات الناشئة المصرية.
إن الانضمام لتجمع “بريكس” ليس مجرد محطة ختامية للتطلعات، بل بداية لمسار طويل يتطلب عملاً مؤسسياً
متكاملاً ورؤية تتكامل فيها المبادرات الوطنية مع الشراكات الدولية. ولأن مصر تُثبت دائماً قدرتها على توظيف
المكتسبات الجيوسياسية لدعم بنائها الداخلي، يظل الرهان دائماً على وعي شبابها وقدرتهم على قيادة دفة المستقبَل بـ
“سياسة بمفهوم جديد”.