د.محمد صبيح فؤاد عبد الله يكتب | اللامبالاة… عندما يصبح الإنسان متفرجًا

0

لم تعد اللامبالاة مجرد سلوك عابر أو حالة مزاجية مؤقتة، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية تستحق التأمل، خاصة في ظل عالم سريع الإيقاع تتزايد فيه الضغوط وتتلاحق فيه الأخبار والأحداث بصورة تفوق قدرة الإنسان على الاستيعاب. وقد يبدو الشخص اللامبالي هادئًا وغير متأثر بما يدور حوله، لكن خلف هذا الهدوء قد تختبئ مشاعر من الإرهاق أو الإحباط أو فقدان الثقة أو الشعور بعدم جدوى المشاركة.

اللامبالاة تعني في جوهرها غياب الاهتمام أو ضعف الاستجابة تجاه قضية أو موقف كان من المفترض أن يثير مشاعر الإنسان أو يدفعه إلى الفعل. وقد تظهر داخل الأسرة عندما يتوقف الأبناء عن الحوار مع والديهم، أو في العمل عندما يفقد الموظف الحافز لتطوير أدائه، أو في المجتمع عندما يرى الإنسان مشكلة أمامه لكنه يفضل الصمت والابتعاد بحجة أن الأمر لا يعنيه.

ومن أخطر صور اللامبالاة أن تتحول إلى ثقافة عامة، فيصبح الإنسان متفرجًا على الأحداث بدلًا من أن يكون شريكًا في صناعة التغيير. ومع تكرار الأزمات والمشكلات، قد تتولد لدى البعض حالة من التبلد الاجتماعي، حيث يفقد الفرد قدرته على الدهشة أو التعاطف، ويصبح الخبر السيئ مجرد مادة عابرة وسط آلاف الأخبار التي يراها يوميًا.

كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مزدوجًا في هذه الظاهرة؛ فهي من ناحية قربت الإنسان من الأحداث والقضايا، ومن ناحية أخرى جعلت التعرض المستمر للأخبار السلبية أمرًا يوميًا، مما قد يؤدي إلى التشبع العاطفي وفقدان التأثر. وقد يكتفي الشخص بالتعليق أو المشاركة الافتراضية دون أن يتحول ذلك إلى سلوك حقيقي على أرض الواقع.

ومع ذلك، فإن اللامبالاة ليست قدرًا محتومًا، ويمكن مواجهتها بإعادة بناء الإحساس بالمسؤولية، وتشجيع الحوار والمشاركة، وتعزيز قيم التعاطف والانتماء والمبادرة. فالإنسان لا يعيش منفصلًا عن مجتمعه، وكل موقف إيجابي مهما كان بسيطًا يمكن أن يصنع فرقًا.

إن أخطر ما في اللامبالاة ليس أن الإنسان لا يتحدث، وإنما أن يتوقف عن الاهتمام، ثم يتوقف عن الشعور، ثم يعتاد رؤية الخطأ دون أن يحاول تغييره. ولذلك فإن مواجهة اللامبالاة تبدأ من إدراك الإنسان لمسؤوليته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه، وتحويل الاهتمام من مجرد مشاعر داخلية إلى مواقف وسلوكيات إيجابية قادرة على صناعة التغيير.دكتور / محمد صبيح فؤاد عبدالله استاذ مساعد علم الاجتماع 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.