محمد سامي خليفة يكتب | إدمان من نوع جديد

0

تخيل أنك فتحت هاتفك لتقرأ رسالة واحدة، ثم اكتشفت بعد نصف ساعة أنك ما زلت تشاهد مقاطع الريلز دون أن تشعر بمرور الوقت. هذا المشهد أصبح جزءًا من الحياة اليومية لملايين الأشخاص، حتى بات يُعد شكلًا جديدًا من الإدمان الرقمي.

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل أصبحت تعتمد على خوارزميات متطورة تراقب اهتمامات المستخدم وسلوكه، ثم تعرض له محتوى يناسبه بدقة ليقضي أطول وقت ممكن أمام الشاشة. ومع خاصية التشغيل التلقائي والتمرير المستمر، ينتقل

 المستخدم من فيديو إلى آخر دون الحاجة إلى اتخاذ أي قرار، فيختفي ذلك التوقف الذي كان يسمح له بالتفكير فيما إذا كان سيكمل المشاهدة أم لا.

يعتمد هذا النظام على طريقة عمل الدماغ؛ فعند مشاهدة محتوى ممتع أو مفاجئ، يفرز الدماغ مادة الدوبامين، وهي المسؤولة عن الشعور بالمكافأة والمتعة. ومع تكرار هذه المكافآت بصورة سريعة وغير متوقعة، يظل الدماغ في حالة انتظار دائم للمحتوى التالي، مما

 يجعل التوقف أكثر صعوبة ويزيد من الرغبة في الاستمرار بالمشاهدة.

ولا يقتصر تأثير هذا الإدمان على إهدار الوقت فقط، بل يمتد إلى جوانب مختلفة من حياة الإنسان. فمن ناحية التركيز، يجد كثير من الأشخاص صعوبة في قراءة كتاب أو متابعة محاضرة لفترة طويلة، لأن عقولهم اعتادت على التنقل السريع بين المقاطع القصيرة. كما

 يؤثر الاستخدام المطول للهاتف قبل النوم في تأخير موعد النوم وتقليل جودته، وهو ما ينعكس على النشاط والإنتاجية خلال اليوم.

أما من الناحية النفسية، فقد يرتبط الاستخدام المفرط لمقاطع الريلز بزيادة الشعور بالقلق والمقارنة المستمرة مع الآخرين، خاصة عند مشاهدة صور أو مقاطع تعرض حياة تبدو مثالية. وعلى المستوى الاجتماعي، يقل التفاعل الحقيقي بين الأفراد، إذ يفضل البعض قضاء

 وقت أطول مع هواتفهم بدلًا من التواصل المباشر مع الأسرة أو الأصدقاء.

ورغم هذه الآثار، فإن التعامل مع المشكلة ممكن إذا بدأ الإنسان بإدراكها. فمن المفيد تحديد وقت يومي لاستخدام تطبيقات التواصل، والاستفادة من أدوات تذكير مدة الاستخدام الموجودة في معظم الهواتف. كما يُنصح بإبعاد الهاتف عن غرفة النوم، واستغلال جزء

 من الوقت في أنشطة أكثر فائدة مثل القراءة أو ممارسة الرياضة أو قضاء وقت مع العائلة والأصدقاء.

في النهاية، ليست المشكلة في منصات التواصل نفسها، فهي توفر وسائل للتعلم والترفيه والتواصل، وإنما في طريقة استخدامها. لذلك يجب أن يكون الإنسان هو المتحكم في وقته، فيقرر بنفسه متى يستخدم هذه التطبيقات ومتى يتوقف عنها، بدلًا من أن تفرض عليه الخوارزميات

 البقاء أمام الشاشة لساعات طويلة. فاستعادة السيطرة على الوقت والانتباه هي الخطوة الأهم للاستفادة من التكنولوجيا دون الوقوع في إدمانها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.