د. محمد صبيح فؤاد يكتب | الترند أم المستقبل؟
لم تعد السوشيال ميديا مجرد مساحة للتواصل أو الترفيه؛ لقد أصبحت غرفةً خفيةً تعيد فيها الخوارزميات ترتيب أحلام الشباب، وتحدد لهم بصورة غير مباشرة: ماذا يشاهدون، وماذا يريدون، وما الذي يستحق أن يلاحقوه.
السؤال لم يعد: ماذا يريد الشباب؟ بل أصبح: من الذي يصنع لهم ما يريدون؟
في الماضي، كان الشاب يقيس نجاحه بالتعليم، والعمل، والاستقرار، وبناء المستقبل. أما اليوم، فقد يدخل إلى هاتفه فيجد أمامه عالمًا يقيس النجاح بعدد المشاهدات، والإعجابات، والمتابعين، وسرعة الانتشار. وهنا يبدأ الخطر: عندما يتحول «الترند» من لحظة عابرة إلى معيار للحياة.
المشكلة ليست في أن يبحث الشباب عن الشهرة أو التعبير عن أنفسهم؛ فهذا حق طبيعي. المشكلة تبدأ عندما يصبح الظهور أهم من الإنجاز، والانطباع أهم من الحقيقة، والمتابعة أهم من المعرفة، والانتشار أهم من القيمة.
والأخطر أن المقارنة المستمرة تصنع لدى بعض الشباب شعورًا بأن الآخرين يعيشون حياة أفضل: وظائف رائعة، أجساد مثالية، سفر دائم، نجاح سريع. بينما الحقيقة أن السوشيال ميديا تعرض غالبًا «أفضل لحظات الآخرين»، وليس حياتهم كاملة.
وتؤكد بيانات حديثة أن 45% من المراهقين الذين شملهم أحد الاستطلاعات قالوا إنهم يقضون وقتًا أطول من اللازم على وسائل التواصل، كما أفاد كثيرون بتأثيرات سلبية على النوم والإنتاجية.
لكن الحل ليس في شيطنة التكنولوجيا ولا في مطالبة الشباب بالابتعاد عنها. المطلوب هو استعادة السيطرة على الأولويات.
نريد سوشيال ميديا تساعد الشاب على التعلم، واكتشاف الفرص، وبناء مشروع، وتطوير مهارة، والتعبير عن قضايا مجتمعه، لا أن تحوله إلى مستهلك دائم للمحتوى.
الشباب لا يحتاجون إلى عالم بلا سوشيال ميديا، بل إلى سوشيال ميديا أكثر وعيًا، وشباب أكثر وعيًا بها.
فالمستقبل لا يصنعه «الترند» مهما كان صاخبًا؛ المستقبل يصنعه شاب يمتلك علمًا، ومهارة، وهدفًا، ووعيًا يستطيع من خلاله أن يسأل نفسه كل يوم:
هل أنا أستخدم السوشيال ميديا لصناعة مستقبلي… أم أسمح لها بأن تصنع لي مستقبلًا لا أريده؟