د. محمد صبيح فؤاد يكتب | الخيانة.. حين يتحول الأمان إلى فخ
الخيانة ليست طعنة في الظهر كما اعتدنا أن نصفها؛ فالطعنة تأتي من الخلف، أما الخيانة فتأتي غالبًا من الجهة التي اعتدنا أن نضع فيها قلوبنا دون خوف.
إنها ليست لحظة اكتشاف أن شخصًا كذب عليك، بل لحظة اكتشاف أن الحقيقة التي عشت داخلها ربما لم تكن الحقيقة أصلًا. عندها لا يسقط شخص من عينيك فقط، بل يسقط معه جزء من يقينك بالعالم.
الأكثر قسوة أن الخيانة تجعل الضحية تستجوب نفسها بدلًا من أن تستجوب الخائن:
كيف لم أرَ؟ لماذا صدقت؟ لماذا منحت كل هذا الأمان؟
وهنا يكمن أحد أخطر آثارها النفسية؛ أنها تجعل الإنسان يشك في بصيرته قبل أن يشك في خائنه.
يبدأ العقل في إعادة تشغيل الماضي كأنه مسرح جريمة: كلمة، نظرة، رسالة، غياب، وعد… يحاول أن يعثر على اللحظة التي بدأت فيها الحقيقة تتخفى خلف الكذب. لكنه غالبًا لا يجد إجابة تشفيه، لأن بعض الناس لا يخونون في لحظة واحدة؛ إنهم يمارسون الخيانة تدريجيًا، كلما اكتشفوا أن ضميرهم أقل تكلفة من صدقهم.
والخيانة لا تقتل الحب وحده؛ أحيانًا تقتل نسخة الإنسان التي كانت تعرف كيف تثق.
بعدها قد يصبح أكثر حذرًا، لكنه ليس بالضرورة أكثر سلامًا. قد يغلق أبوابه أمام الجميع لأن شخصًا واحدًا أساء استخدام المفتاح.
لكن أن تتحول الخيانة إلى فلسفة تقول إن الجميع خائنون، فذلك انتصار آخر للخائن.
النضج ليس أن تصبح باردًا، ولا أن تنتقم، ولا أن تقسم ألا تثق بأحد. النضج أن تعرف أن الطيبة تحتاج إلى وعي، والثقة تحتاج إلى اختبار، والحب يحتاج إلى حدود.
قد لا تستطيع أن تمنع الخيانة، لكنك تستطيع أن تمنعها من احتلالك.
فالخائن قد يكسر علاقة، لكنه لا يستحق أن يكسر رؤيتك للحياة.
وأقسى ما يمكن أن تفعله بالخيانة أن تتجاوزها دون أن تفقد إنسانيتك.
لأن الخيانة تكشف معدن الخائن،
أما ما تفعله بعدها بنفسك… فيكشف من تكون.