فاطمة عبد الواسع تكتب | الهوية المصرية والانفتاح الثقافي
أثار توجه وزارة التربية والتعليم بشأن ضبط الاحتفالات والفعاليات داخل المدارس الدولية، وإعادة النظر في تنظيم المناسبات التي لا تتوافق مع الثقافة والهوية المصرية، نقاشًا واسعًا بين مؤيد ومعارض.
لكن بعيدًا عن الجدل، فإن القضية تستحق أن تُناقش من زاوية تربوية أكثر هدوءًا وموضوعية؛ فالأمر لا يتعلق بإغلاق أبواب المدارس أمام الثقافات الأخرى، ولا بمنع الطلاب من التعرف على العالم وثقافاته المختلفة، وإنما بالسؤال الأهم: ما الذي نختار أن نقدمه لأبنائنا داخل المدرسة باعتبارها مؤسسة تربوية مصرية؟
شهدت بعض المدارس الدولية في مصر تنظيم فعاليات مرتبطة بمناسبات غربية، مثل الهالوين، إلى جانب أنشطة تهدف إلى التعريف بثقافات مختلفة. ولا شك أن التعرف على ثقافات الشعوب الأخرى أمر مهم، ويساعد الطالب على فهم العالم وتقبل الاختلاف واحترام التنوع.
لكن هناك فارقًا واضحًا بين التعريف بثقافة أو مناسبة وبين تحويلها إلى احتفال داخل المدرسة.
فالانفتاح على العالم لا يعني بالضرورة أن نقلد كل ما يأتي من الخارج، كما أن التعليم الدولي لا يعني ذوبان الهوية الوطنية أو تراجع حضور الثقافة المصرية داخل المؤسسة التعليمية.
التنوع الثقافي الحقيقي يقوم على المعرفة والفهم والاحترام. أن يتعرف الطالب على ثقافات الآخرين، ويفهم عاداتهم وتقاليدهم، ويدرك أوجه الاختلاف والتشابه بينهم، دون أن يفقد في الوقت نفسه ارتباطه بتاريخه وحضارته وقيم مجتمعه.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل نحظى بالقدر نفسه من الاهتمام بتعريف أبنائنا بتاريخ مصر وحضارتها وتراثها ومناسباتها الدينية والوطنية، الذي نحظى به في التعريف بالمناسبات والثقافات القادمة من الخارج؟
المدرسة ليست مكانًا للاحتفالات والمظاهر فقط، وإنما مساحة لبناء شخصية الطالب وتنمية وعيه. فالأنشطة المدرسية الأهم هي التي تنمي التفكير والإبداع، وتدرب الطالب على الحوار وقبول الاختلاف، وتساعده على حل المشكلات وصناعة القرار والبحث، وتربطه بمجتمعه وبيئته وتاريخه.
ونحن في حاجة إلى طالب مصري قادر على فهم العالم والتعامل معه بثقة، وقادر في الوقت نفسه على الإجابة عن سؤال أساسي: من أنا؟ وما جذوري؟ وما القيم التي أنتمي إليها؟
المطلوب ليس عزل أبنائنا عن العالم، وإنما تعليمهم كيف ينفتحون عليه بعقل واعٍ وشخصية متوازنة وهوية راسخة.
فالهوية المصرية ليست ضد الانفتاح، والانفتاح ليس مرادفًا للتقليد.
الانفتاح الحقيقي معرفة وفهم واحترام.. وليس تقليدًا.