د. محمد فضل يكتب | المجالس المحلية وبناء القيادات
في ظل ما تشهده الدولة المصرية من جهود متواصلة لتطوير مؤسساتها السياسية وتعزيز مسيرة الجمهورية الجديدة، يبرز تفعيل نظام الإدارة المحلية باعتباره أحد أهم الاستحقاقات الدستورية والتشريعية، وخطوة أساسية نحو بناء حياة نيابية أكثر كفاءة وتمثيلًا للمواطنين.
ولم تكن المجالس المحلية يومًا مجرد أجهزة خدمية تُعنى بمتابعة المرافق العامة، بل مثلت على مدار عقود المدرسة الأولى لإعداد القيادات السياسية، والمنصة التي اكتسب من خلالها العديد من النواب والمسؤولين خبراتهم العملية في العمل العام. فمن خلالها يتعامل العضو مع مشكلات المواطنين بصورة مباشرة، ويتعرف على احتياجات المجتمع، ويكتسب الخبرة في الرقابة والمساءلة وصنع القرار.
وقد أثبتت التجارب السياسية، في مصر والعديد من الدول، أن البرلمانات القوية لا تُبنى من فراغ، وإنما تعتمد على كوادر سياسية تمتلك خبرة ميدانية حقيقية، تبدأ من العمل المحلي ثم تتدرج إلى المسؤوليات التشريعية والتنفيذية. ومن هنا، فإن المجالس المحلية تمثل الحلقة الأولى في بناء قيادات سياسية قادرة على التشريع والرقابة بكفاءة ومسؤولية.
وخلال السنوات الماضية، أدى غياب المجالس المحلية إلى فجوة واضحة في إعداد الكوادر السياسية، وقلّص من فرص الشباب في اكتساب الخبرة العملية والمشاركة الفاعلة في الشأن العام، وهو ما جعل الحاجة إلى الإسراع بإصدار قانون الإدارة المحلية وإجراء انتخاباتها أكثر إلحاحًا، تنفيذًا للاستحقاقات الدستورية، وتعزيزًا لمسار الإصلاح السياسي.
كما أن تفعيل الإدارة المحلية لن ينعكس فقط على تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، بل سيسهم أيضًا في ترسيخ مبادئ اللامركزية، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية، وإعداد جيل جديد من القيادات المؤهلة القادرة على تحمل المسؤولية، بما يدعم مؤسسات الدولة ويعزز الثقة بينها وبين المواطنين.
إن بناء حياة نيابية قوية يبدأ من القاعدة، والقاعدة الحقيقية لأي نظام سياسي ناجح هي إدارة محلية فعالة تمتلك الصلاحيات والكفاءات اللازمة لتحقيق التنمية والاستجابة لاحتياجات المواطنين. لذلك، فإن الإسراع بتفعيل منظومة الإدارة المحلية لم يعد مجرد خيار، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها متطلبات التنمية والإصلاح السياسي.
إن مستقبل الحياة النيابية في مصر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود مجالس محلية منتخبة وقوية، قادرة على إعداد القيادات، وممارسة الرقابة، ودعم جهود التنمية. فالإدارة المحلية ليست مجرد مستوى إداري، بل هي الركيزة الأساسية لبناء نظام سياسي متكامل يواكب تطلعات الجمهورية الجديدة، ويحقق آمال المواطنين في المشاركة والتنمية والاستقرار، وأكد أن فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي شدد في أكثر من مناسبة على أهمية تعزيز الحياة السياسية، باعتبارها أحد ركائز بناء الجمهورية الجديدة، كما أكد أهمية تفعيل منظومة الإدارة المحلية لما تمثله من ركيزة أساسية في إعداد وتأهيل الكوادر السياسية، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية، وترسيخ مبادئ الديمقراطية واللامركزية، بما يسهم في بناء جيل جديد من القيادات القادرة على تحمل المسؤولية وخدمة الوطن