ياسر حجازي يكتب | القيادة التكنوقراطية
ضرورة دمج التخصصات العلمية في العمل السياسي والتشريعي
لطالما
ساد اعتقاد تقليدي بأن السياسة هي فن “البلاغة” وإدارة التوازنات، بينما
الهندسة والعلوم هي فن “الأرقام” والحلول التقنية الجامدة. ولكن في ظل
“الجمهورية الجديدة” التي تقوم دعائمها على المشروعات القومية الكبرى
والمدن الذكية والتحول الرقمي، أصبح الفصل بين “العقل السياسي”
و”العقل الهندسي” ضرباً من الماضي. إن التحديات المعقدة التي تواجهها
مصر اليوم تتطلب لغة جديدة في أروقة التشريع وصناعة القرار؛ إنها لغة “التكنوقراط” التي تحول الأزمات إلى معادلات قابلة للحل.
لماذا
نحتاج “المهندس الباحث” في قلب السياسة؟ الإجابة تكمن في طبيعة التكوين
العقلي للمهندس؛ فهو مُبرمج على “حل المشكلات”
(Problem Solving) بأعلى
كفاءة وأقل تكلفة زمنية ومادية. وعندما يشارك المتخصص العلمي في صياغة القوانين أو
مراقبة السياسات العامة، فإنه لا يكتفي بالنقد السياسي العام، بل يقدم
“بديلاً تقنياً” مبنياً على البيانات والقياسات. فالطرح السياسي لم يعد
يحتمل العبارات الإنشائية حين نناقش قضايا استراتيجية مثل “أمن المياه”،
“توطين تكنولوجيا البناء”، أو “الحياد الكربوني”؛ هنا يصبح
الرقم هو سيد الموقف، وتصبح الورقة البحثية هي المرجعية الأصدق للتشريع.
إن
انخراطي في البحث العلمي، وتحديداً في مجالات الهندسة المدنية والحلول الذكية،
جعلني أدرك أن الفجوة بين البحث والأداء التنفيذي لا يمكن جسرها إلا بوجود كوادر
علمية داخل مطابخ السياسة. فعندما نناقش قانوناً للبناء أو استراتيجية لإدارة
الموارد، فإن الباحث الذي أفنى سنواته في دراسة “استدامة المواد” أو
“محاكاة الشبكات الذكية” يمتلك رؤية استشرافية تمنع حدوث أزمات
مستقبلية. إن دمج الشباب من ذوي الخلفيات العلمية في منصات مثل “تنسيقية شباب
الأحزاب والسياسيين” يضمن لنا ممارسة سياسية “مبنية على الأدلة” (Evidence-based Politics)، قادرة على مواكبة الثورة الصناعية الرابعة.
إن
التكامل بين الرؤية الوطنية والقدرة التقنية هو ما يصنع الفارق في استدامة
المشاريع القومية. إن السياسي التكنوقراطي لا يرى المشروع كمجرد افتتاح أو رقم في
الموازنة، بل يراه “منظومة متكاملة”
(System) يجب أن
تعمل بكفاءة لعقود قادمة. هذا الفكر المؤسسي هو الضمانة الحقيقية لحماية مقدرات
الدولة وضمان جودة الحياة للمواطن المصري.
خاتمة
وتوصيات: نحو ممارسة سياسية بمرجعية علمية
بصفتي
مهندساً وباحثاً يرى في العلم وسيلة لخدمة الوطن، أؤمن بأن السياسة الناجحة هي
التي تُبنى على أساس علمي متين، وأضع التوصيات التالية لتعزيز هذا المسار:
مأسسة
“لجان الظل العلمية”: ضرورة
وجود مجالس استشارية من شباب الباحثين تتبع اللجان البرلمانية، لتقديم الدعم
الفني المبني على الأرقام والنتائج المعملية قبل إقرار التشريعات التقنية.
تعزيز
“دبلوماسية البحث العلمي”: استخدام
التفوق العلمي للشباب المصري في المحافل الدولية كأداة للقوة الناعمة، وربط
الأبحاث الهندسية بالاتفاقيات الدولية في مجالات البيئة والطاقة.
إعداد
الكوادر التقنية للقيادة: إطلاق
برامج متخصصة لدمج المهندسين والعلماء في العمل العام، لتعريفهم بآليات
“صناعة القرار” وكيفية تحويل الورقة البحثية إلى تشريع نافذ.
اعتماد
لغة البيانات: يجب
أن تكون “الجدارة العلمية” والقدرة على تقديم حلول رقمية هي
المعيار الأساسي للتمكين في المناصب التنفيذية والتشريعية المرتبطة بملفات
التنمية.
ختاماً،
إن انتماءنا للوطن يترجمه نجاح مشاريعنا ودقة أبحاثنا. إنني أؤمن بأن مقعد المهندس
والباحث في ساحة السياسة ليس ترفاً، بل هو ضرورة وطنية لنبرهن أن مصر تُبنى بعلم
أبنائها، وأن عقلها المفكر هو الضمانة الأكيدة لمستقبلها المستدام.