د. مروة إبراهيم تكتب | الطريق إلى مصر 2030

0

لم تكن الثلاثون من يونيو نهاية معركة، بل كانت بداية لمسار جديد أعاد للدولة المصرية توازنها،‌‌

ورسخ مفهوم الدولة الوطنية، وفتح الباب أمام مرحلة مختلفة عنوانها البناء والاستقرار. واليوم، وبعد‌‌

أكثر من عقد على تلك اللحظة الفارقة، يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس ماذا حققت ‌‌30‌‌ يونيو، بل‌‌

ماذا يجب أن تحقق مصر حتى عام ‌‌2030‌‌؟

لقد نجحت الدولة خلال السنوات الماضية في إعادة بناء البنية التحتية، وتوسيع شبكة الطرق‌‌

والمحاور، وإطلاق المدن الجديدة، وتعزيز قدرات الدولة في مجالات الطاقة، والتحول الرقمي،‌‌

والخدمات، إلى جانب تنفيذ العديد من المبادرات الاجتماعية والتنموية. وهي خطوات أسست لمرحلة‌‌

جديدة، لكنها ليست غاية في حد ذاتها، بل قاعدة ينطلق منها المستقبل.

إن الطريق إلى مصر ‌‌2030‌‌ يجب أن يكون انتقالًا من مرحلة بناء الدولة إلى مرحلة بناء القوة‌‌

الشاملة؛ قوة الاقتصاد، وقوة الإنسان، وقوة المؤسسات، وقوة التأثير الإقليمي والدولي.

فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بحجم ما يُنفذ من مشروعات فقط، وإنما بقدرة هذه المشروعات على‌‌

خلق اقتصاد أكثر إنتاجًا، وفرص عمل أكثر استدامة، ومستوى معيشة أفضل للمواطن. ومن هنا، فإن‌‌

الأولوية في السنوات المقبلة يجب أن تتجه نحو تعظيم العائد الاقتصادي من المشروعات القومية،‌‌

وزيادة التصنيع، وتعزيز الصادرات، وجذب الاستثمارات، وترسيخ اقتصاد يقوم على الابتكار والمعرفة.

وفي قلب هذه الرؤية يأتي الإنسان المصري. فالجمهورية الجديدة لا تُبنى بالخرسانة وحدها، وإنما‌‌

تُبنى بالعقول. ولذلك، فإن الاستثمار في التعليم، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، والصحة، وبناء‌‌

الشخصية الوطنية، يجب أن يكون الاستثمار الأهم، لأنه الضمان الحقيقي لاستدامة التنمية.

ولا يمكن الحديث عن المستقبل دون الحديث عن الشباب. فتمكين الشباب لم يعد خيارًا سياسيًا، بل‌‌

أصبح ضرورة وطنية. والمرحلة المقبلة تتطلب انتقالًا من مشاركة الشباب في التنفيذ إلى مشاركتهم‌‌

في صناعة القرار، وإعداد جيل يمتلك المعرفة، والخبرة، والقدرة على إدارة الملفات الوطنية بكفاءة،‌‌

لأن مستقبل مصر لن يصنعه إلا شباب يؤمن بالعلم، والعمل، والمسؤولية.

إن تمكين الشباب لا يقتصر على تقلد المناصب، بل يبدأ بتوفير بيئة تسمح بالإبداع، وريادة الأعمال،‌‌

والابتكار، ودعم الأفكار الجديدة، وإتاحة المجال أمام الكفاءات، حتى يصبح النجاح قائمًا على‌‌

الجدارة والاستحقاق.

كما أن بناء الجمهورية الجديدة يقتضي ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز المشاركة السياسية، ودعم‌‌

المؤسسات الوطنية، بما يسهم في خلق حياة عامة أكثر فاعلية، ويمنح المواطن دورًا حقيقيًا في‌‌

صياغة المستقبل، في إطار من المسؤولية واحترام الدستور والقانون.

أما على المستوى الإقليمي، فإن مصر تمتلك من المقومات ما يؤهلها لأن تكون مركزًا للطاقة،‌‌

والصناعة، والخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي، وجسرًا للتعاون بين إفريقيا والعالم العربي‌‌

والبحر المتوسط. وهذه المكانة تحتاج إلى استمرار الإصلاح، وتعزيز التنافسية، والاستثمار في رأس‌‌

المال البشري.

إن الطريق إلى عام ‌‌2030‌‌ ليس طريقًا يخلو من التحديات، لكنه أيضًا طريق مليء بالفرص. والنجاح‌‌

فيه لن يتحقق بما أنجزته الدولة وحدها، بل بشراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع، والقطاع الخاص،‌‌

والشباب، ومؤسسات المجتمع المدني، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن بناء الأوطان مسؤولية جماعية.

لقد كانت ‌‌30‌‌ يونيو لحظة استعادة الدولة، أما ما بعد ‌‌30‌‌ يونيو فهو مرحلة بناء المستقبل. وإذا كان‌‌

الماضي قد أثبت قدرة المصريين على حماية وطنهم، فإن المستقبل سيختبر قدرتهم على تطويره،‌‌

وتعزيز تنافسيته، وصناعة نموذج تنموي يضع الإنسان في قلب التنمية، ويجعل من مصر بحلول عام‌‌

2030‌‌ دولة أكثر قوة، وأكثر تأثيرًا، وأكثر قدرة على مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية.

فالتاريخ يخلد اللحظات الفارقة، لكنه لا يصنع المستقبل. المستقبل تصنعه الإرادة، والعلم، والعمل،‌‌

والإيمان بأن ما تحقق هو بداية الطريق، وأن مصر التي استعادت دولتها قادرة أيضًا على أن تصنع‌‌

مستقبلها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.