د. ناصر الجيزاوي يكتب | مصر والصين.. من التبادل الأكاديمي إلى صناعة المعرفة

0

تمثل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر محطة مهمة في مسيرة العلاقات المصرية الصينية، ليس فقط لما تحمله من دلالات سياسية واقتصادية، وإنما لما تفتحه من آفاق جديدة أمام مجالات التعاون التي أصبحت أكثر ارتباطًا بمستقبل الدول وقدرتها على إنتاج المعرفة وامتلاك التكنولوجيا وبناء رأس المال البشري.

وعلى امتداد نحو سبعة عقود من العلاقات بين مصر والصين، تطورت هذه العلاقات بصورة لافتة، ومع تطورها نجد أن محور التعليم العالي والبحث العلمي أحد أهم المجالات القادرة على منح هذه الشراكة بعدًا أكثر استدامة وتأثيرًا خلال السنوات المقبلة في ظل التحولات التكنولوجية وتزايد أهمية الذكاء الاصطناعي والاقتصاد القائم على المعرفة، فلم يعد التعاون بين الجامعات -على سبيل المثال- يقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة، أو أعداد الطلاب المشاركين في برامج التبادل والمنح الدراسية، رغم أهمية ذلك، وإنما بقدرة هذه الشراكات على إنتاج معرفة جديدة، وتطوير برامج تعليمية مشتركة، وإجراء بحوث تقدم حلولًا لمشكلات حقيقية، ونقل وتوطين التكنولوجيا، وتحويل نتائج البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية وتنموية.

ومن هذا المنطلق، تمثل تجربة جامعة بنها في التعاون مع الجامعات الصينية أحد النماذج لما يمكن أن تصل إليه الشراكات الأكاديمية عندما تنتقل من التبادل والتواصل إلى العمل المؤسسي المشترك فقد بنت جامعة بنها خلال السنوات الماضية علاقات أكاديمية وبحثية مع عدد من الجامعات الصينية، كان من أبرزها التعاون الممتد منذ عشر سنوات مع جامعة ووهان، والذي تطور من التبادل الطلابي والمنح والتعاون البحثي إلى إنشاء كلية بنها ووهان للدراسات العليا بالحرم الجامعي بمدينة العبور، وتقديم درجات علمية مزدوجة في عدد من المجالات.

وتعكس هذه التجربة مفهومًا أوسع لتدويل التعليم، لا يقوم فقط على انتقال الطلاب والباحثين بين الجامعات، وإنما على بناء بيئة تعليمية وبحثية مشتركة، والاستفادة من نقاط القوة لدى كل مؤسسة، وتطوير برامج تتوافق مع احتياجات المستقبل.

كما امتدت شراكات الجامعة إلى عدد من المؤسسات الأكاديمية الصينية الأخرى في مجالات الهندسة وتكنولوجيا المعلومات والزراعة والبحث العلمي، وشملت المنح الدراسية والمشروعات البحثية والتبادل الأكاديمي. وتكتسب هذه العلاقات بعدًا إضافيًا مع عضوية جامعة بنها كعضو مؤسس في المكتب التنفيذي لتحالف جامعات طريق الحرير الذي تترأسه جامعة شيان جياوتونغ، بما يفتح المجال أمام التعاون متعدد الأطراف في التعليم والبحث والابتكار.

والأهم في هذه التجربة ليس عدد الاتفاقيات أو الشراكات، وإنما ما تؤكده من أن القيمة الحقيقية للتعاون الدولي في التعليم العالي تظهر عندما يتحول إلى شراكة مؤسسية مستدامة، يكون لها أثر ملموس على الطالب والباحث والجامعة والمجتمع.

ومن هنا، فإن زيارة الرئيس شي جين بينج إلى مصر تمثل فرصة للنظر إلى مستقبل العلاقات المصرية الصينية من منظور أوسع، تكون فيه الجامعات ومراكز البحث العلمي جزءًا رئيسيًا من هذه الشراكة، خاصة مع ما تمتلكه الصين من خبرات متقدمة في التكنولوجيا والهندسة والذكاء الاصطناعي والعلوم التطبيقية، وما تمتلكه مصر من قاعدة جامعية وبحثية كبيرة ورأس مال بشري شاب.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تشهد توسعًا في البرامج والدرجات العلمية المشتركة، والمعامل والمراكز البحثية، والمشروعات متعددة التخصصات، إلى جانب زيادة حركة الطلاب والباحثين بين البلدين، وتعزيز التعاون في الابتكار وريادة الأعمال ونقل وتوطين التكنولوجيا.

كما أننا بحاجة إلى بناء شبكات بحثية أوسع تستطيع الجامعات المصرية والصينية من خلالها العمل معًا على قضايا تتجاوز الحدود الوطنية، مثل الأمن الغذائي والمياه والطاقة والتغيرات المناخية والصحة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهي تحديات تتطلب بطبيعتها تعاونًا علميًا عابرًا للحدود.

لقد أصبحت المعرفة أحد أهم عناصر قوة الدول، وأصبحت الجامعة شريكًا أساسيًا في عملية التنمية، وليس فقط مؤسسة تمنح الدرجات العلمية. ولذلك فإن الاستثمار في العلاقات بين الجامعات المصرية والصينية هو في جوهره استثمار في مستقبل العلاقات بين البلدين.

وإذا كانت العلاقات المصرية الصينية قد نجحت على مدار سبعة عقود في بناء رصيد كبير من الثقة والتعاون، فإن مسؤوليتنا داخل الجامعات هي أن نحول هذا الرصيد إلى مزيد من المعرفة والبحث والابتكار، وأن ننتقل من تبادل المعرفة إلى إنتاجها معًا، ومن التعاون الأكاديمي إلى شراكات قادرة على صناعة المستقبل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.