رضوي عصام تكتب | بَصيرة الحُرُمِ في الأشهر الحُرُمِ
هل رأيت يوماً نوراً يتسلل إلى عتمة الظلام ليُضيء قلباً حائراً؟ هذا هو حال التجليات الربانية في الأشهر الحرم حيث تُشرق في هذه الأزمان المباركة أنوارٌ قُدسية لا تنقضي. إن دين الإسلام هو دين النور الفطري الذي ينبع من أعماق النفس، وهو حقيقة راسخة رغم كل محاولات التشكيك ففي داخل كل منا يكمن حب إلهي خالد لا يزول، مهما بلغت المعاصي وتراكمت الذنوب، وتظل النفس البشرية متمسكة بفطرتها في التعلق بإله واحد، لا ملجأ منه إلا إليه.
وبالرغم من زلات بني آدم وهفواتهم، يظل باب التوبة مشروع ومفتوح ويدعو الله عباده للرجوع إليه، الواحد الأحد، الذي تفرد بالوحدانية، والذي لم يكن له والد ولا مولود. وفي المقابل، يسعى المشككون جاهدين لنزع هذه الفطرة السليمة، ومحاولة استبدالها بمعتقدات هشة ومنكسرة. ولكن الحقيقة أن كل إنسان وُلِد على الفطرة، وهو ذلك الشعور الراسخ بوجود الذات الإلهية والوحدانية الربانية.
لقد كان الأنبياء والمرسلون -عليهم السلام- خير مثال لهذا البحث الدائم عن الذات العُليا؛ فكانت فطرتهم أنفسهم على رفض عبادة الماديات كالشمس والقمر، وألهمتهم بصيرتهم أن هناك خالقاً أعظم لهذا الكون، بيده ملكوت كل شيء.
كما ينبغي التنبيه إلى غفلة الكثيرين عن عظم الكلمة البغيضة في الأشهر الحُرم؛ فإذا كان الله قد حرّم القتال فيها تعظيماً لحرمتها، فمن باب أولى أن نصون ألسنتنا عن الأذى. إن أنوار الهداية لا تنحصر في زمان دون زمان، بل تتجدد مع كل وقت ففي كل يوم تشرُق شمس هداية جديدة، وتتنوع أشكال العبادة التي تصلُ النفس بخالقها.
إن في باطن كل إنسان فطرة نقية تميز بوضوح بين الخير والشر، وهي الواجهه التي يرتحل بها العابد في رحلة حياته، حتى يلقى ربه وهو علي اليقين. تدور بنا رحلة الحياة ونحن في مَعزل عن أنفسنا ، ونحن نجول ونبحث عن معني كوننا نتبع الدين ثم نُدرك أن الدين وحب الله في قلوبِنا منذ الولادة ، والفرق بين العبد والعبد الآخر هو مدى إدراكه بأفعاله ومعرفته بإن الله سبحانه وتعالى يراه ، ومُطلع عليه وهو أقرب إليه من حبل الوريد ، ومن هنا تأتي وتستقر السكينة في ربوع كل ذرة في جسد الإنسان ، وفي هذا الوقت تكون علاقة العبد الرباني برب العالمين قد اتسمت بالتسليم التام في كل الأمور التي يعلمها العبد والتي لم يُدرك حكمتها . فيجب علي الإنسان أن يُدرك أن وقت الأشهر الحُرم هو وقت هُدنه له من ضغوطات الحياة و فرصه إلي تعديل سلوكياته مرة أُخره فهذا الشهر يحتاج إلى تأديب ذاتي من كل فرد والتمعُن في كل أفعاله .