سامح هليل يكتب | 23 يوليو… ثورة غيرت الاقتصاد

0

هناك خطأ يقع فيه كثيرون عندما يتحدثون عن ثورة ‌‌23‌‌ يوليو.

البعض يحصرها في أسماء الضباط الأحرار، أو في الملك فاروق، أو في الخطب الجماهيرية، أو‌‌

في الصراع السياسي الذي أعقبها.

لكن الحقيقة أن أكبر ما فعلته ثورة يوليو لم يكن تغيير الحاكم…بل تغيير فلسفة الدولة المصرية.

لقد غيّرت الثورة طريقة تفكير الدولة في الاقتصاد، وفي علاقتها بالمواطن، وفي دورها داخل‌‌

السوق.

ومنذ تلك اللحظة، دخلت مصر تجربة اقتصادية وسياسية جديدة، لا تزال آثارها ممتدة حتى‌‌

اليوم.

الدولة… من الحكم إلى الإدارة

قبل يوليو ‌‌1952‌‌، كانت الدولة تمارس دورًا تقليديًا في إدارة شؤون البلاد، بينما كان النشاط‌‌

الاقتصادي يعتمد بدرجة أكبر على ملاك الأراضي والتجار والقطاع الخاص، مع وجود تفاوت‌‌

اجتماعي كبير وهيمنة واضحة لفئات محدودة على الثروة.

ثم جاءت الثورة، ولم تكتفِ بتغيير النظام السياسي، بل أعادت تعريف دور الدولة بالكامل.

لم تعد الدولة مجرد جهة تحكم…

بل أصبحت منتجًا، ومستثمرًا، وصاحب مصانع، وصاحب بنوك، وصاحب شركات نقل وتأمين،‌‌

ومشرفًا على قطاعات واسعة من الاقتصاد.

كانت الفكرة واضحة:

إذا كان السوق عاجزًا عن تحقيق العدالة الاجتماعية، فإن الدولة يجب أن تتدخل.

العدالة أولًا… ثم الاقتصاد

الإصلاح الزراعي لم يكن مجرد قانون لتوزيع الأراضي، بل كان رسالة سياسية واجتماعية تقول‌‌

إن الدولة لن تقبل بترك الثروة في يد قلة.

ومجانية التعليم لم تكن مجرد قرار تعليمي، بل مشروعًا لتغيير السلم الاجتماعي، ومنح أبناء‌‌

الأسر البسيطة فرصة للصعود بالعلم.

كما أن التوسع في القطاع العام لم يكن هدفه فقط الإنتاج، بل أيضًا خلق فرص عمل، وبناء قاعدة‌‌

صناعية، وتعزيز الاعتماد على الذات.

وبالفعل، شهدت مصر في تلك المرحلة إنشاء مصانع كبرى، ومشروعات قومية، وتوسعًا في‌‌

التعليم والخدمات، وصعودًا لطبقة وسطى استفادت من هذه السياسات.

كانت تلك مكاسب حقيقية لا يمكن تجاهلها.

لكن…

كل نموذج اقتصادي يحمل داخله نقاط قوته… ونقاط ضعفه.

ومع مرور الوقت، بدأ النموذج نفسه يواجه تحديات لم تكن واضحة في البداية.

عندما تصبح الدولة هي المستثمر الأكبر، وصاحب العمل الأكبر، والممول الأكبر، والمنظم‌‌

الأكبر في الوقت نفسه، تتزايد مسؤولياتها بصورة هائلة.

ومع توسع الجهاز الإداري، ظهرت تحديات تتعلق بالكفاءة، والبيروقراطية، وسرعة اتخاذ‌‌

القرار، وقدرة بعض مؤسسات القطاع العام على مواكبة المنافسة والتطور التكنولوجي.

وفي الوقت نفسه، كان الاقتصاد العالمي يتغير بسرعة، بينما احتاج النموذج المحلي إلى‌‌

مراجعات متتالية للتكيف مع هذه التحولات.

هل انتهى نموذج يوليو؟

ربما تكون الإجابة الأكثر دقة…

لا.

فالكثير من السياسات الاقتصادية التي نعيش معها اليوم، سواء في دور الدولة، أو في شبكات‌‌

الحماية الاجتماعية، أو في المشروعات القومية، أو في العلاقة بين الحكومة والاقتصاد، تحمل‌‌

بدرجات مختلفة بصمات المرحلة التي بدأت بعد ‌‌23‌‌ يوليو.

لكنها أيضًا مرت بمراجعات وتغييرات عديدة عبر العقود، مع توسع دور الاستثمار الخاص‌‌

والانفتاح الاقتصادي والإصلاحات اللاحقة.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل كانت ثورة يوليو صحيحة أم خاطئة؟

لأن التاريخ لا يُدار بهذه الطريقة.

السؤال الأهم هو:

هل يستطيع أي نموذج اقتصادي أن يظل صالحًا لعشرات السنين دون أن يتطور مع تغير العالم؟

فالاقتصاد الذي نجح في خمسينيات القرن الماضي كان يعمل في عالم مختلف تمامًا عن عالم‌‌

اليوم.

عالم لم يكن يعرف الاقتصاد الرقمي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا الشركات العابرة للقارات، ولا‌‌

المنافسة القائمة على المعرفة والابتكار.

الدرس الذي يجب ألا ننساه

ربما كان أعظم ما علمتنا إياه ثورة يوليو أن الدولة تستطيع تغيير المجتمع عندما تمتلك رؤية‌‌

وإرادة.

وربما كان أهم ما تعلمناه بعد ذلك أن أي نموذج اقتصادي، مهما حقق من نجاح، يحتاج إلى‌‌

مراجعة مستمرة، لأن الجمود هو العدو الأول للتنمية.

الدول لا تتقدم لأنها تتمسك بالماضي…ولا لأنها تهدمه

بل لأنها تعرف متى تحافظ على ما نجح، ومتى تمتلك الشجاعة لتغيير ما لم يعد مناسبًا.

ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا في كل ذكرى لثورة ‌‌23‌‌ يوليو ليس: هل نختلف أو نتفق‌‌

معها؟

بل:

هل نبني اقتصادًا يناسب مصر التي كانت… أم مصر التي نريدها بعد عشرين او ثلاثين عاماً؟

لان الأمم لا تعيش على امجاد التاريخ… بل على قدرتها على صناعة تاريخ جديد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.