د. مرقس مدحتيكتب | 23  يوليو …. تحطيم العبودية

0

في ليلة الثالث والعشرين من يوليو عام ١٩٥٢، لم تكن القاهرة مجرد عاصمة تنام على ضفاف النيل تحت وطأة رطوبة الصيف المعتادة؛ بل كانت مرجلاً يغلي تحت السطح. وحين صدح صوت البكباشي أنور السادات عبر أثير الإذاعة المصرية ملقياً البيان الأول للقوات المسلحة، لم يكن الأمر مجرد إعلان عن حركة عسكرية لخلع ملك أو تغيير حكومة، بل كان بمثابة شهادة ميلاد لـ “مصر جديدة” تماماً، أعادت صياغة هويتها، وحطمت أغلال الاستعمار والوجاهة الطبقية الزائفة لتفتح الباب أمام تأسيس “الجمهورية الأولى”.

اليوم، ونحن في عام ٢٠٢٦، بعد مرور أربعة وسبعين عاماً على هذا الحدث التاريخي، نجد أنفسنا أمام حاجة ملحة لقراءة هذا الحدث الاستثنائي بعيداً عن الغلو في المديح أو المبالغة في الخصومة.  فثورة يوليو لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل كانت زلزالاً اجتماعياً واقتصادياً غيّرت ملامح الدولة المصرية بالكامل، ورسمت ملامح المنطقة العربية والقارة السمراء لعقود طويلة.

لقد كانت ثورة يوليو تحولاً في مجرى التاريخ، حيث انتقل الحكم لأول مرة منذ آلاف السنين إلى أيدي أبناء الأرض أنفسهم، لتبدأ معركة البناء الحقيقية لاسترداد الكرامة الوطنية والمجتمعية.

ولعل الإنجاز الأكبر والأكثر بقاءً لثورة يوليو يكمن في الانحياز المطلق للمواطن البسيط. فقبل عام ١٩٥٢، كانت مصر تُعرف بـ “مجتمع النصف في المائة”، حيث تتركز الثروة والأراضي الزراعية في أيدي قلة إقطاعية مستبدة، بينما يرزح ملايين الفلاحين تحت وطأة الفقر والجهل والمرض. و بصدور قانون الإصلاح الزراعي، لم تُعد الثورة توزيع الأرض فحسب، بل أعادت صياغة “إنسانية” الفلاح المصري، وجعلته مالكاً لقمته وقراره بعد قرون من السخرة. هذا الانحياز الاجتماعي تكرس بإقرار مجانية التعليم، تلك الخطوة العبقرية التي جعلت من التعليم “كالماء والهواء” للجميع، مما سمح بصعود طبقة متوسطة مصرية قوية، كانت هي الوقود الحقيقي لنهضة البلاد الإدارية والعلمية والثقافية في العقود التالية.

وفي قلب هذا الحراك الاجتماعي، كان هناك طموح اقتصادي جبار يرى أن الاستقلال السياسي لا قيمة له بدون استقلال اقتصادي حقيقي. ومن هنا انطلقت معارك التصنيع الكبرى؛ فامتدت المصانع من الحديد والصلب في حلوان إلى الغزل والنسيج في المحلة، وتحول حلم السد العالي من مجرد فكرة هندسية إلى معجزة قومية روّضت النهر الخالد ووفرت الطاقة لإنارة القرى وصناعات المستقبل. ولم يكن قرار تأميم قناة السويس في عام 1956 مجرد استرداد لشريان مائي مغتصب، بل كان إعلاناً للعالم أجمع بأن السيادة المصرية خط أحمر، دفع الشعب ثمنه دماً وصموداً في مواجهة العدوان الثلاثي، ليخرج من المعركة منتصراً ومكرساً لمفهوم الكبرياء الوطني.

ولم تقف أصداء يوليو عند حدود الجغرافيا المصرية؛ بل تحولت القاهرة إلى قبلة لحركات التحرر الوطني في العالم.  فقد دعمت مصر ثورات التحرير في الجزائر واليمن والعراق، وساندت حركات التحرر الأفريقية ضد الاستعمار الغربي، وساهمت في تأسيس حركة عدم الانحياز في مؤتمر باندونج لتقف نداً أمام الاستقطاب الدولي في ذروة الحرب الباردة. تحولت مصر آنذاك من دولة تسعى لحماية حدودها إلى إمبراطورية “قوة ناعمة” تقود الوجدان العربي عبر الفن والسينما والثقافة وإعلام “صوت العرب”، مما جعل الهوية المصرية مرادفاً للكرامة والحرية في أرجاء المعمورة.

ورغم هذا السجل الحافل بالتحولات الكبرى، فإن الأمانة  تقتضي الإشارة إلى أن الثورة حملت في طياتها تحديات وأزمات تركت بصماتها على المسيرة السياسية؛ فالانتقال السريع إلى النظام الجمهوري غيّب التعددية الحزبية التقليدية لصالح التنظيم السياسي الواحد، وأدخل البلاد في دوائر صراع السلطة وتراجع الحريات السياسية، وهو المخاض الطبيعي والصعب الذي واجهته معظم دول العالم الثالث الخارجة لتوهّا من عباءة الاستعمار الطويل.

ونحن نقف اليوم على مشارف المستقبل، ندرك جيداً أن “الجمهورية الجديدة” التي تشيدها مصر الآن بجهد وعرق أبنائها، لا تقف في قطيعة مع ماضيها، بل هي امتداد طبيعي ونضوج حتمي لآمال وتطلعات ثورة ٢٣ يوليو.  فمعارك التنمية المعاصرة، وتحديث البنية التحتية، وتوطين الصناعات، و استصلاح ملايين الأفدنة، والبحث عن السيادة الاقتصادية، هي ذاتها المعارك القديمة ولكن بأدوات العصر وآلياته المبتكرة.

 و تبقى ثورة يوليو فصلاً مجيداً في كتاب الوطنية المصرية، يذكرنا دائماً بأن هذا الشعب، مهما طال ركوده، قادر في اللحظة الحاسمة على فرض إرادته الحرة وإعادة كتابة التاريخ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.