شريهان القشاوي تكتب | هوية الطفل.. حق وسيادة
العلاقة بين “الهُوية” و”السيادة” لم تعد مسألة قانونية مجردة، بل تحولت إلى أحد أعمدة إدارة الدولة الحديثة، وفي هذا السياق، تكتسب المادة 8 من اتفاقية حقوق الطفل أهمية استثنائية، لأنها لا تتحدث فقط عن حق الطفل في اسم أو جنسية، بل تؤسس لفكرة أعمق وهي أن “الهوية” هي المدخل الأول لكل الحقوق الأخرى.
من هنا، لم تعد بطاقة الهوية للأطفال وثيقة إدارية فقط، بل أداة سياسية وقانونية تعكس مدى قدرة الدولة على بسط حمايتها على مواطنيها منذ اللحظة الأولى لوجودهم، وتحويل وجودهم البيولوجي إلى كيان قانوني معترف به داخل مؤسسات الدولة.
وتنص المادة 8 على التزام الدول بحماية هوية الطفل، بما يشمل اسمه وجنسيته وصلاته العائلية، مع إلزامها بالتدخل السريع لإعادة هذه الهوية حال انتهاكها، هذا النص يعكس تحولًا عميقًا في الفلسفة القانونية الدولية من حيث اعتبار الطفل تابعًا للأسرة، إلى الاعتراف به كـ”شخص قانوني مستقل” له حقوق أصيلة، وهنا تحديدًا تظهر بطاقة الهوية كترجمة تنفيذية لهذا التحول، لأنها تمنح الطفل حضورًا قانونيًا فعليًا، وتربطه مباشرة بشبكة الحقوق والخدمات.
وعند النظر إلى التجارب الدولية، يتضح أن الدول لم تتعامل مع “هوية الطفل” كإجراء إداري، بل كأداة سيادية متعددة الأبعاد، في ألمانيا، تطورت بطاقات هوية الأطفال من وثائق سفر تقليدية إلى نظم إلكترونية بيومترية متقدمة تحتوي على شرائح رقمية مشفرة تضم بيانات حيوية، مثل صورة الوجه وبصمات الأصابع عند بلوغ سن معين، هذا التطور لم يكن تقنيًا فقط، بل أمنيًا بالأساس، حيث أصبحت الهوية تمثل خط الدفاع الأول ضد الجرائم العابرة للحدود، خاصة الاتجار بالبشر وتهريب الأطفال، داخل فضاء الاتحاد الأوروبي.
هذا التوجه يمتد إلى نماذج أوروبية أخرى، تعكس تنوعًا في التطبيق ووحدة في الفلسفة، في فرنسا، تعتمد الدولة على تعددية الوثائق كبديل عن الإلزام المبكر، حيث يتم إثبات هوية الطفل عبر شبكة مترابطة تشمل شهادة الميلاد ودفتر العائلة وبطاقة الهوية، في نموذج يعكس مرونة إدارية وثقة في المؤسسات، بينما تتبنى إيطاليا وإسبانيا نهجًا أكثر ارتباطًا بالهوية الرقمية، حيث يتم إصدار بطاقات للأطفال وربطها بالخدمات العامة، خاصة التعليم والصحة، مع إدماجها تدريجيًا في المنصات الحكومية الإلكترونية. في هذا السياق، تصبح الهوية شرطًا للاندماج في الدولة، وليست مجرد إثبات لها.
أما على مستوى الاتحاد الأوروبي ككل، فإن مسألة هوية الطفل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمنظومة حرية التنقل داخل “شنجن”، حيث تفرض الحدود المفتوحة ضرورة وجود أدوات دقيقة لإثبات الهوية، الطفل الأوروبي، حتى في سن مبكرة، يمتلك وثيقة تعريف معترف بها عبر عدة دول، ما يحميه من مخاطر الاختفاء أو الاستغلال، ويجعل الهوية جزءًا من منظومة أمن إقليمي متكاملة، لا مجرد شأن داخلي.
وفي المقابل، لم تغفل أوروبا البعد الحساس المتعلق بخصوصية البيانات، خاصة للأطفال، وقد قادت هذه المخاوف إلى تطوير أطر قانونية صارمة مثل اللائحة العامة لحماية البيانات، التي تفرض قيودًا دقيقة على جمع البيانات واستخدامها، وتمنح الأفراد، بمن فيهم الأطفال، حقوقًا واسعة في التحكم في بياناتهم. وهنا يظهر البعد السياسي الأكثر تعقيدًا، من حيث حماية الهوية لا تعني فقط تثبيتها، بل أيضًا حمايتها من “الإفراط في الرقمنة”.
خارج أوروبا، تأخذ الهوية أبعادًا مختلفة لكنها متكاملة، في الهند، يمثل نظام “أدهار” نموذجًا لربط الهوية بالعدالة الاجتماعية، حيث تُستخدم بطاقة الطفل لضمان وصوله إلى الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، ما يجعل الهوية أداة للدمج الاجتماعي والاقتصادي، وفي الأرجنتين، ارتبطت الهوية بسياق تاريخي مؤلم، حيث تحولت إلى وسيلة لاستعادة حقوق أطفال تم تغيير هوياتهم قسرًا، لتصبح أداة للعدالة والذاكرة الوطنية.
وعلى المستوى العربي، تقدم كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة نموذجًا متقدمًا في التحول نحو “الهوية الرقمية الشاملة”، في السعودية، يتم إدماج الطفل داخل سجل الأسرة منذ ولادته، مع ربط بياناته بمنصات رقمية مثل “أبشر” و”توكلنا”، بما يضمن ارتباطه الفوري بالخدمات الصحية والتعليمية، أما في الإمارات، فقد تم تعميم إصدار بطاقة هوية إلزامية منذ الولادة، ضمن منظومة متكاملة تشمل استخراج جميع الوثائق الرسمية وربطها بتطبيقات رقمية، ما يجعل الهوية جزءًا من البنية التحتية الرقمية للدولة.
ما تكشفه هذه التجارب مجتمعة هو تحول عالمي من “الوثيقة الثابتة” إلى “الهوية الديناميكية”، لم يعد كافيًا أن يمتلك الطفل شهادة ميلاد جامدة، بل أصبح من الضروري أن يكون له وجود رقمي متجدد يعكس تطوره، ويضمن حمايته في حالات الخطر مثل الاختطاف أو النزوح أو النزاعات الأسرية، الهوية هنا لم تعد نهاية الإجراء، بل بدايته.
في السياق المصري، تبرز هذه القضية كجزء من تحولات سياسية وتشريعية أوسع، فالدولة تمتلك بالفعل “الرقم القومي” منذ الميلاد، لكنه يظل غير مفعل عمليًا حتى سن استخراج بطاقة الرقم القومي، ومن هنا، يبرز الاتجاه نحو خفض سن استخراج البطاقة إلى خمس سنوات، كخطوة لتحويل هذا الرقم إلى أداة حماية حقيقية، هذا التوجه يرتبط مباشرة بمشروعات الرقمنة، مثل “مصر الرقمية” ومنظومة التأمين الصحي الشامل، حيث يصبح وجود هوية محدثة شرطًا للحصول على الخدمات.
تطبيق هذا النموذج في مصر لا يحقق فقط الكفاءة الإدارية، بل يسهم في مواجهة تحديات اجتماعية مثل عمالة الأطفال، والزواج المبكر، وسقوط القيد، من خلال تثبيت السن القانوني ومنع التلاعب به، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديًا سياسيًا يتعلق بالخصوصية، وهو نفس التحدي الذي واجهته أوروبا، ويستلزم بناء إطار قانوني يوازن بين الحماية والحرية.
إذا لم تعد بطاقة هوية الطفل مجرد وثيقة تعريف، بل أصبحت انعكاسًا لفلسفة الدولة الحديثة في إدارة مواطنيها، الدولة التي تمنح طفلها هوية مبكرة ومتكاملة، هي دولة تعترف به كفاعل داخل منظومتها، وتضمن له الحماية والاندماج منذ البداية، ومن هنا، فإن تبني هذا النموذج في مصر لا يمثل فقط استجابة لالتزامات دولية، بل خطوة نحو إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، انطلاقًا من الطفولة.
ويبقى السؤال الحاسم، كيف سيتم تقديم هذا التحول للمجتمع؟ هل باعتباره أداة لحماية الأطفال من الخطر والانتهاك، أم كوسيلة لتسهيل الوصول إلى الخدمات؟ الإجابة تكمن في قرار سياسي وإعلامي سيحدد مدى قبول المجتمع لهذا التحول، وبالتالي نجاحه أو تعثره.