طارق الزملوط يكتب | الثانوية العامة.. حكاية وطن

0

كل عام، ومع حلول موسم الثانوية العامة، تدخل مصر حالة استثنائية لا تشبه أي وقت آخر. تتغير ملامح البيوت، وتُضبط ساعات الأسرة على مواعيد الامتحانات، ويصبح السؤال الأكثر تداولًا: “الامتحان كان عامل إيه؟” حتى تبدو البلاد وكأنها تعيش امتحانًا واحدًا، لا يخص الطلاب وحدهم، بل المجتمع بأكمله.فالثانوية العامة في مصر لم تعد مجرد سنة دراسية، بل أصبحت حدثًا اجتماعيًا تعيشه الأسرة بكل تفاصيله. الطالب يذاكر، لكن الأب والأم والإخوة يشاركونه القلق والترقب، ويصبح نجاحه حلمًا جماعيًا يسعى الجميع لتحقيقه. ويرجع ذلك إلى كونها ما تزال البوابة الأساسية للالتحاق بالجامعة، وهو ما منحها مكانة خاصة في الوعي المجتمعي، رغم أن النجاح الحقيقي لا يتوقف على مجموع أو كلية بعينها.ومن أكثر المشاهد تأثيرًا خلال هذه الفترة ما يفعله أولياء الأمور. فالأم تستيقظ قبل الفجر لتجهز احتياجات ابنها، والأب يحرص على توصيله إلى اللجنة، ثم يقف مع عشرات الآباء والأمهات أمام المدارس ينتظرون خروج أبنائهم. يحمل أحدهم زجاجة ماء، وآخر عصيرًا، بينما ترفع أم يديها بالدعاء، ويخفي أب قلقه خلف ابتسامة مطمئنة. إنها لحظات تمتزج فيها مشاعر الخوف بالأمل، ويظهر فيها أجمل معاني التضحية الأسرية.ورغم الضغوط الكبيرة، شهدت السنوات الأخيرة جهودًا لتطوير منظومة الثانوية العامة، سواء في شكل الامتحانات أو أساليب التقييم، مع استمرار النقاش حول تحقيق العدالة بين الطلاب، وتقليل الضغوط النفسية، وتوفير مسارات متنوعة تلائم قدرات كل طالب وطموحاته.لكن المشهد الأكثر حساسية يبدأ بعد إعلان النتائج، حين تنقسم البيوت بين فرحة النجاح ومرارة الإخفاق. وفي هذه اللحظة يصبح دور الأسرة أكثر أهمية؛ فالكلمة الطيبة قد تعيد الثقة إلى طالب، بينما قد تترك المقارنات القاسية أثرًا نفسيًا طويلًا. لذلك ينبغي أن نتذكر دائمًا أن الثانوية العامة محطة مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق، فقد أثبتت تجارب كثيرة أن الاجتهاد والإصرار قادران على صنع النجاح في أي مرحلة.ومن هنا، فإن تطوير هذه المنظومة لا يقتصر على الامتحانات فقط، بل يشمل نشر ثقافة تُقدِّر الاجتهاد قبل المجموع، وتعزز الإرشاد الجامعي والمهني داخل المدارس، حتى يختار الطالب مستقبله وفق ميوله وقدراته، لا وفق ضغوط المجتمع. كما أن دعم التعليم الفني والتكنولوجي أصبح ضرورة وطنية، ليكون مسارًا جاذبًا يواكب احتياجات سوق العمل.وفي النهاية، ستنتهي الامتحانات،وستعلن النتائج، لكن ستظل صورة الآباء والأمهات الواقفين أمام المدارس، يحملون الدعوات أكثر مما يحملون الماء، واحدة من أجمل صور التضحية في المجتمع المصري، ودليلًا على أن النجاح في مصر لا يصنعه الطالب وحده، بل تصنعه أسرة كاملة تؤمن بحلمه وتسير معه حتى النهاية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.