محمد أشرف ضيف يكتب | ما بين السطور

0

لم تعد التصريحات الرسمية للدول مجرد استجابة بروتوكوليه واجبه على الأحداث، بل أصبحت أداة فعالة في‌‌
منظومة إدارة الصراع وإعادة تشكيل التوازنات السياسية وكشف للمواقف الجوهرية للدول، فهي الأن لا تُصاغ‌‌
فقط لنقل موقف أو لإثبات الحضور السياسي لكن لتوجه رسائل متعددة المستويات بعضها موجه إلى الخارج،‌‌
والبعض الآخر مخاطبة الداخل، والاكثر إلى أطراف بعينها بشكل غير مباشر.
لذا تحول الخطاب الرسمي إلى نص مشفّر تُبنى مفرداته بعناية شديدة لتعكس حسابات دقيقة وتقديرات‌‌
معقدة أكثر من أن تعكس مواقف مبدئية مباشرة، فتحليل أي خطاب يكشف أن اختيار المفردات ليس محايدًا‌‌
فالفارق بين “الإدانة” و”الرفض” و”الشجب” يُظهر تباينًا واضحًا في سقف المواقف وحدود الحركة السياسية،‌‌
كما أن تجنب ذكر أطراف معينة أو استخدام صياغات عامة غالبًا ما يشير إلى رغبة في الحفاظ على قنوات‌‌
اتصال مفتوحة أو لتفادي كلفة سياسية محتملة.
تلعب أيضًا توقيتات التصريحات – خاصة في المراحل الأولى للأزمات – مؤشراً هامًا بما يعكس مدى جاهزية‌‌
المؤسسات في القراءة الصحيحة للأحداث واتخاذ القرارات، أو على العكس فقد تعكس حالة من التردد الناجم عن‌‌
تضارب المصالح أو عنصر المفاجآة.
وعند التدقيق في عدد من التصريحات العربية في سياق الأزمات الإقليمية الأخيرة يتضح أن الخطاب يتشكل‌‌
وفقًا لموقع كل دولة داخل معادلة القوة الشاملة، فالدول ذات الوزن السياسي الأكبر تميل إلى اتخاذ مواقف أكثر‌‌
وضوحًا وحدّة، بينما تفضل دول أخرى استخدام لغة حذرة تبقي جميع الخيارات مفتوحة هذا التباين لا يعكس‌‌
اختلافًا في الرؤى فحسب بل يُظهر أيضاً تفاوتًا في القدرة على تحمل تبعات القرارات السياسية في بعض‌‌
الحالات فتظهر التصريحات وكأنها موجهة أساسًا للاستهلاك الداخلي لامتصاص ضغط الرأي العام أو لإرسال‌‌
إشارات طمأنة دون أن يتبعها تحرك فعلي على الأرض.
ومن الجوانب المهمة كذلك ما يمكن تسميته بـ “الصمت الجزئي” – وهو ما يتم تجاهله عمدًا في التصريحات -‌‌
فهو يمثل أداة تحليل لا تقل أهمية عن النص المعلن فتجاهل الإشارة إلى فاعل رئيسي أو عدم توصيف حدث‌‌
بشكل صريح قد يعكس اصطفافًا لأطراف غير معلنه أو محاولة لتفادي الانخراط في مسار تصعيدي غير‌‌
مرغوب، هنا لا يكون الغموض ضعفًا في التعبير بل خيارًا سياسيًا محسوبًا وبدقة.
في النهاية، لا تكمن أهمية التصريحات الرسمية في مضمونها الوصفي فقط، بل في دلالاتها الضمنية أيضاً من‌‌
حيث توقيتها وسياقها وما تحجبه بقدر ما تعلنه، من دون هذا المستوى من القراءة يبقى فهم المشهد السياسي‌‌
منقوصًا بل وقد يكون مضللًا في بعض الأحيان، إذ يمنح أدوارًا بطولية لفاعلين ثانويين لا يعكس واقعهم وزنهم‌‌
الحقيقي، بينما يغفل أدوارًا مؤثرة لفاعلين حقيقيين في المشهد يتحركون بعيدًا عن دائرة الضوء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.