طارق الزملوط يكتب | مراكز الشباب… الاستثمار الحقيقي في الإنسان

0

شهدت مراكز الشباب في مصر خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في البنية التحتية والأنشطة الرياضية والثقافية، لتتحول تدريجيًا من مجرد أماكن لممارسة الرياضة وقضاء وقت الفراغ، إلى مساحات أكثر شمولًا تحتضن الشباب والأطفال، وتسهم في تنمية المهارات وتعزيز قيم الانتماء والعمل الجماعي. ورغم أهمية هذا التطور، إلا أنه يظل خطوة أولى في مسار أطول وأكثر طموحًا، يجعل من مركز الشباب شريكًا رئيسيًا في صناعة المستقبل، لا مجرد مكان للنشاط.فالعالم اليوم لم يعد يقيس نجاح المؤسسات الشبابية بعدد الملاعب أو الفعاليات، وإنما بقدرتها على اكتشاف الموهوبين وصناعة الأبطال. فكل لاعب يرفع علم مصر في المحافل الدولية، أو شاب يحقق إنجازًا علميًا أو تكنولوجيًا، كانت بدايته فرصة حقيقية احتضنتها مؤسسة آمنت بموهبته. ومن هنا تبرز أهمية مراكز الشباب باعتبارها النقطة الأولى لاكتشاف هذه الطاقات في القرى والمدن على حد سواء.ولتحقيق هذا الدور، ينبغي أن تتوسع وظائف مراكز الشباب لتشمل مجالات أوسع من الرياضة، عبر إدخال أنشطة الابتكار والتكنولوجيا، مثل أندية البرمجة، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وريادة الأعمال، إلى جانب الأنشطة الرياضية والثقافية. فالمطلوب اليوم لم يعد فقط إعداد لاعب رياضي، بل إعداد إنسان قادر على المنافسة في مختلف مجالات الحياة.وفي هذا السياق، يمكن طرح مشروع قومي بعنوان “بنك المواهب المصري”، بحيث يصبح كل مركز شباب نقطة لاكتشاف وتسجيل الموهوبين في الرياضة والعلوم والفنون والتكنولوجيا والعمل المجتمعي، داخل قاعدة بيانات وطنية متكاملة يتم تحديثها باستمرار، مع ربط هذه المواهب بالمؤسسات القادرة على رعايتها وتطويرها.ويتكامل هذا المشروع مع فكرة “ملف الموهبة”، بحيث يمتلك كل طفل أو شاب يتم اكتشافه سجلًا إلكترونيًا يوثق رحلته منذ البداية، يتضمن إنجازاته، والدورات التي حصل عليها، وتقييمات المدربين، بما يتيح متابعة دقيقة لتطوره، ويمنع ضياع المواهب مع الوقت أو توقفها دون دعم.ولضمان استدامة هذه المنظومة، يمكن إنشاء مؤشر وطني سنوي لقياس أداء مراكز الشباب، لا يقتصر على عدد الأنشطة أو الفعاليات، بل يشمل عدد المواهب المكتشفة، وعدد الأبطال الذين تم إعدادهم، وحجم المبادرات الابتكارية والمجتمعية، إضافة إلى مستوى المشاركة الشبابية الفعالة. كما يتطلب ذلك دعمًا أكبر للمراكز في القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، من خلال تأهيل الكوادر الإدارية وتدريبها على إدارة البرامج الحديثة واكتشاف المواهب بشكل احترافي.وتتوافق هذه الرؤية بشكل مباشر مع توجهات وزارة الشباب والرياضة ضمن الاستراتيجية الوطنية للشباب والرياضة 2025–2032، التي تستهدف تحويل مراكز الشباب إلى مؤسسات تنموية شاملة، لا تقتصر على الرياضة فقط، بل تمتد إلى التمكين الاقتصادي والاجتماعي للشباب، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، وتطوير منظومة اكتشاف المواهب.كما أن التوجه نحو التحول الرقمي وتطوير قواعد بيانات الشباب داخل الوزارة يعزز من إمكانية تطبيق أفكار مثل “بنك المواهب” و“ملف الموهبة”، بما يضمن ربط المواهب بمسارات تطوير واضحة ومؤسسية.وفي النهاية، فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في المباني أو المنشآت فقط، وإنما في الإنسان القادر على صناعة الإنجاز داخلها. وإذا نجحنا في تحويل كل مركز شباب إلى منصة لاكتشاف ورعاية الموهبة، فسنكون قد أسسنا منظومة وطنية قادرة على إنتاج أبطال في الرياضة، ومبتكرين في العلم، وقادة في المجتمع، ليصبح مركز الشباب هو البداية الحقيقية لكل قصة نجاح في مصر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.