علي عجلان يكتب | الشباب بين التمثيل والتمكين

0

يأتي اليوم العالمي للشباب كل عام ليطرح سؤالًا يتجاوز الاحتفال بالشباب إلى التفكير في دورهم الحقيقي في صناعة المستقبل: هل يكفي أن نمنح الشباب مساحة للمشاركة، أم أن التحدي الأكبر هو أن نمتلك شبابًا مؤهلًا وقادرًا على تحمل مسؤولية هذه المساحة؟

في مصر، شهد ملف الشباب خلال السنوات الأخيرة تحولًا واضحًا من الحديث عن الشباب باعتبارهم طاقة مستقبلية إلى التعامل معهم باعتبارهم شريكًا حاضرًا في صناعة القرار. ويمكن اعتبار عام 2016 نقطة فارقة مع إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي عامًّا للشباب، وما تبعه من مؤتمرات وطنية للشباب ومساحات أوسع للحوار والمشاركة. ثم جاء إنشاء الأكاديمية الوطنية للتدريب عام 2017 بهدف إعداد وتأهيل الشباب والقيادات، قبل أن تظهر في 2018 تجربة تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين كمنصة جمعت شبابًا من خلفيات سياسية مختلفة وفتحت مساحة جديدة للمشاركة السياسية. (Presidency of Egypt)

ولم يتوقف الأمر عند المشاركة، بل انتقل إلى التمكين. رأينا شبابًا يصلون إلى مواقع نواب الوزراء والمحافظين، ويمثلون المواطنين داخل مجلسي النواب والشيوخ، بما يعكس تحولًا حقيقيًا في التعامل مع الشباب من مجرد متلقٍ للسياسات إلى شريك في صياغتها وتنفيذها.

وتبقى تجربة تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين واحدة من أبرز النماذج في هذا المسار. فقد بدأت في أبريل 2018 كمنصة حوارية بين شباب من تيارات وأحزاب مختلفة، ونجحت خلال سنواتها الأولى في تقديم عدد من النماذج الشابة إلى مواقع سياسية وتشريعية وتنفيذية. والأهم من الوصول إلى هذه المواقع هو ما ارتبط بالتجربة من عمل سياسي وتأهيل وتدريب وممارسة فعلية للعمل العام. (تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين)

لكن نجاح تجربة التمكين يفرض علينا في المقابل أن نكون أكثر صراحة مع أنفسنا.

فليس كل شاب يصلح بالضرورة لتولي موقع قيادي لمجرد أنه شاب، كما أن الرغبة في الوصول إلى المنصب لا تعني امتلاك القدرة على تحمل مسؤولياته. وربما يكون أحد التحديات التي ظهرت مع اتساع مساحات المشاركة هو أن يتحول بعض الشباب من السعي إلى بناء الخبرة إلى السعي المباشر وراء اللقب والمنصب.

وهنا تظهر أهمية التفرقة بين الطموح والاستحقاق.

الطموح مطلوب، والسعي إلى المسؤولية ليس عيبًا، لكن الخطورة تبدأ عندما يصبح المنصب غاية في حد ذاته، قبل أن يكون صاحبه قد امتلك المعرفة والخبرة والقدرة على التواصل واتخاذ القرار وتحمل تبعاته.

والأمر نفسه ينطبق على الكيانات والمبادرات الشبابية. فقد لعبت الكيانات الشبابية دورًا مهمًا في توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية والتطوعية، وكانت في مراحل مختلفة مساحة حقيقية لتدريب الشباب على العمل الجماعي والمشاركة الوطنية. لكن اتساع هذه التجربة كشف أيضًا عن بعض الممارسات السلبية؛ من شكاوى مرتبطة بطريقة إدارة المتطوعين، إلى ضعف الانضباط أو عدم وضوح الأدوار والمسؤوليات في بعض التجارب.

ولا ينبغي أن تكون هذه الملاحظات سببًا في التقليل من قيمة العمل الشبابي أو التطوعي، وإنما يجب أن تكون دافعًا لتطويره. فالكيان الشبابي الناجح ليس فقط الذي يستطيع جمع أكبر عدد من المتطوعين، وإنما الذي يستطيع أن يحول هذا العدد إلى كوادر تمتلك المعرفة والانضباط والقدرة على العمل.

وهنا تحديدًا تصبح الحوكمة والتأهيل والمساءلة جزءًا أساسيًا من أي تجربة شبابية تريد الاستمرار.

حتى تجربة التنسيقية نفسها، رغم استمرار قوتها وأهميتها كأحد النماذج البارزة في العمل السياسي الشبابي، تحتاج دائمًا إلى الحفاظ على روح انطلاقتها الأولى، وتطوير أدواتها بما يتناسب مع المرحلة الجديدة. فالتجارب الناجحة لا تقاس فقط بما حققته في بدايتها، وإنما بقدرتها على التجدد وإنتاج أجيال جديدة من القيادات المؤهلة.

وفي النهاية، ربما تكون الرسالة الأهم في يوم الشباب العالمي هي أن التمكين ليس مجرد مقعد، وإنما مسؤولية.

الدولة تستطيع أن تفتح الأبواب، وتوفر فرص التدريب والمشاركة، وتمنح الشباب مساحة حقيقية للتعبير والعمل والوصول إلى مواقع المسؤولية. لكن الجزء الآخر من المعادلة يقع على الشباب أنفسهم: أن يستثمروا هذه الفرص في بناء أنفسهم، وأن يدركوا أن الطريق إلى القيادة يبدأ بالمعرفة والعمل والخبرة، وليس بالصورة أو اللقب.

نحن لا نحتاج فقط إلى جيل يريد أن يصل، وإنما إلى جيل يستحق أن يصل.

جيل يرى المنصب وسيلة لخدمة الناس، لا مكافأة على المشاركة. ويعرف أن المشاركة الحقيقية لا تبدأ عندما نحصل على مقعد، بل تبدأ عندما نمتلك ما يمكن أن نقدمه من هذا المقعد.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي في يوم الشباب العالمي ليس: متى يتم تمكين الشباب؟

بل: هل نحن مستعدون فعلًا للتمكين؟

لأن تقبل أي تجربة لتمكين الشباب لن تحدده فقط الأبواب التي فُتحت لهم، وإنما أيضًا مستوى استعدادهم لما ينتظرهم خلف هذه الأبواب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.