علي يسري علي يكتب | أكتوبر.. معركة الخداع
لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد مواجهة عسكرية لاستعادة الأرض، بل كانت لحظة سياسية فارقة أعادت تشكيل صورة مصر وقدرتها على الفعل. فمنذ هزيمة 1967، بدا أن ميزان القوة قد استقر لمصلحة إسرائيل، وأن عبور قناة السويس وتجاوز خط بارليف أمران أقرب إلى المستحيل. لكن المصريين، بقيادة سياسية وعسكرية أدركت حدود القوة كما أدركت فرصها، أعادوا بناء الجيش والثقة معًا، وحولوا الاستعداد الطويل إلى مبادرة غيرت حسابات المنطقة.
كان الخداع جزءًا أساسيًا من هذه المعركة، لا بمعنى الحيلة المنفصلة عن التخطيط، بل بوصفه إدارة واعية للمعلومة والتوقيت والتوقعات. فقد اعتاد الخصم أن يقرأ التحركات المصرية باعتبارها تدريبات متكررة، فيما كان الجيش يهيئ لعبور حقيقي. ورافق ذلك جهد سياسي ودبلوماسي أبقى النيات والقدرات موضع تقدير متباين، إلى جانب إعداد هندسي دقيق لمعالجة الساتر الترابي وفتح الثغرات بالمياه. هكذا لم ينتصر التخطيط على القوة وحدها، بل على الاطمئنان الزائد إلى أن الطرف الآخر عاجز عن المبادرة.
وفي السادس من أكتوبر، عبرت القوات المصرية القناة ورفعت العلم على الضفة الشرقية، في مشهد استعاد معه المصريون ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على تغيير الواقع. لم يكن العبور نهاية الحرب، ولا اختفت التحديات بعده؛ فقد استمرت المعارك، وتعقدت الحسابات، ثم جاءت المفاوضات وما تبعها من مسار لاستعادة سيناء. لكن ما لا خلاف عليه أن المبادرة كسرت صورة التفوق المطلق، وفتحت المجال أمام السياسة كي تتحرك من موقع مختلف.
وتتجاوز دلالة الخداع العسكري تفاصيل الخطة إلى درس أوسع في العمل العام: من يكتفي بتكرار ما يتوقعه الآخرون منه، يترك لهم زمام المبادرة. فالاستراتيجية الناجحة تبدأ بفهم الواقع، وتحديد الهدف، وبناء القدرة، ثم اختيار التوقيت الذي يحول الإمكان إلى أثر. وهي لا تعني إخفاء الحقائق عن المجتمع أو استبدال الشفافية بالمناورة؛ بل تقتضي وضوحًا في الغاية، وانضباطًا في الوسيلة، ومسؤولية في تقدير النتائج.
ومن منظور سياسي، تذكرنا أكتوبر بأن القوة ليست سلاحًا فقط، وأن الشرعية الوطنية تتعزز حين يلتقي القرار بالتخطيط والثقة الشعبية. كما تفرض علينا الذاكرة التاريخية ألا نحول النصر إلى رواية جامدة أو مناسبة للاحتفال وحده، بل إلى فرصة لمراجعة مؤسساتنا، والاستثمار في الإنسان، وتوسيع المشاركة، والاستعداد للمستقبل. فالتحديات الراهنة، مهما اختلفت طبيعتها، تحتاج إلى عقل يقرأ التحولات مبكرًا، ومؤسسات تتعلم، ومجتمع يشارك في صنع الأولويات.
إن معركة الخداع في أكتوبر لم تكن درسًا في التضليل، بل في امتلاك المبادرة وتوظيف المعرفة والانضباط لتحقيق هدف وطني. وتبقى قيمتها السياسية في أنها أعادت فتح الممكن، وأثبتت أن الحسابات التي تبدو نهائية يمكن تغييرها حين تتوافر الإرادة والخطة والقدرة على العمل المشترك.
ويظل استحضار هذه التجربة مهمًا في زمن تتسارع فيه الحروب الإعلامية وتتنافس فيه الروايات على تشكيل الوعي. فامتلاك المعلومة، والقدرة على التحقق منها، والتواصل الصادق مع المواطنين، عناصر لا تقل أهمية عن التخطيط الميداني. ومن هنا، فإن الوفاء لروح أكتوبر يكون بتحويل دروسها إلى ممارسة يومية: عمل مؤسسي، ونقاش عام مسؤول، وإيمان بأن بناء القوة يبدأ من احترام الإنسان وإشراكه.