محمد الصوفي يكتب | 30 يونيو.. كلمة الشعب

0

في تاريخ الشعوب لحظات قليلة تستحق أن توصف بأنها “فاصلة”، ولحظة 30 يونيو 2013 في مصر كانت واحدة منها. لم تكن مجرد يوم تظاهر فيه المصريون، بل كانت تتويجًا لشهور من الغضب المتراكم، وفصلًا فاصلًا أعاد للدولة المصرية مسارها بعد عام كامل من الارتباك.

حين تحول الأمل إلى قلق
بعد ثورة 25 يناير 2011 وما حملته من أحلام بالتغيير، جاءت انتخابات 2012 ليتولى محمد مرسي رئاسة الجمهورية، في أول تجربة انتخابية رئاسية حرة تشهدها مصر. كان المشهد مفعمًا بالأمل، وبدا أن مصر دخلت عصرًا جديدًا من الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة. لكن هذا الأمل لم يدم طويلًا.
فبحسب ما تشير إليه عدة تقارير وتحليلات سياسية، بدأت ملامح المشهد تتغير سريعًا. تشير المصادر إلى أن لجنة صياغة الدستور وقتها سيطر عليها أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين وحلفائهم، ما دفع ممثلي التيارات غير الإسلامية والكنائس إلى الانسحاب منها احتجاجًا. وفي موازاة ذلك، تدهور الوضع الاقتصادي بشكل لافت: انهيار قيمة الجنيه، أزمات خانقة في الوقود والكهرباء، وتصاعد معدلات البطالة، إلى جانب تحديات أمنية في سيناء وأزمات دبلوماسية.

“تمرد”.. حين قرر الشباب أن يتحركوا
من رحم هذا الإحباط المتصاعد، وُلدت في 26 أبريل 2013 حركة “تمرد”، بمبادرة من شباب مصري قرر أن يجمع توقيعات المواطنين لسحب الثقة من مرسي والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة. الحملة التي بدأت بمجموعة من الشباب المتطوع، تحولت في أسابيع قليلة إلى ظاهرة شعبية ضخمة، حيث أعلنت الحركة جمع ما يقارب 22 مليون توقيع، ودعت كل من وقّع إلى النزول في 30 يونيو، وهو التاريخ الذي يوافق الذكرى الأولى لتولي مرسي الحكم.
رفض مرسي وقتها الاستجابة لهذه المطالب، ووصفها في خطاب طويل بأنها “مطالب عبثية”، بينما رفضت قوى المعارضة، ممثلة في جبهة الإنقاذ الوطني، دعوته للحوار. الفجوة بين الشارع والسلطة كانت تتسع يومًا بعد يوم.

يوم لم تشهد مصر مثله
وحين حلّ يوم 30 يونيو 2013، خرجت الملايين في الميادين بمختلف المحافظات المصرية، في مشهد وُصف بأنه من أضخم التظاهرات في التاريخ المصري الحديث. قُدّر عدد المتظاهرين بملايين عدة وفق مصادر مختلفة، ورفعوا الأعلام المصرية، وهتفوا مطالبين برحيل الرئيس وتصحيح المسار. وفي اليوم التالي، استجابت القوات المسلحة لنبض الشارع، وأعطت مهلة 48 ساعة للأطراف السياسية، قبل أن يُعلن خارطة طريق جديدة في 3 يوليو 2013.

لماذا تبقى 30 يونيو علامة في الذاكرة؟
ما يجعل هذه اللحظة استثنائية ليس فقط حجم الحشود، بل أنها جسّدت معنى أن الإرادة الشعبية، حين تتوحد، تستطيع أن تصنع التاريخ. كانت رسالة واضحة بأن الوطن أكبر من أي تنظيم أو فصيل، وأن المصريين -بكل أطيافهم وأجيالهم- قادرون على الدفاع عن هويتهم الوطنية حين يستشعرون الخطر عليها.
اليوم، ومع كل ذكرى تمر، يبقى السؤال الأهم ليس فقط “ماذا حدث؟”، بل “ماذا تعلمنا؟”. فالدرس الأكبر من 30 يونيو هو أن الشباب، حين يتحدون حول قضية وطنية، يصبحون قوة لا يمكن تجاوزها في صنع القرار ورسم مستقبل بلادهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.